ومهما يكن من شيء فإن قلّت رحلة الحجّ الجزائريية المدونّة في القرن العشرين لمختلف العوامل الخاصة والعامة، فإن ما كتب منها عبّر بوضوح عن أصالة الرابطة الروحية وعمق الشعور الذي يشدّ الإنسان في (الجزائر) إلى مهبط الوحي، حيث يمكث الشوق والحنين مقيمًا في النفوس إلى البقاع المقدسة، فبقدر ما يبقى الهاجس فريضة دينية ينبغي أن تؤدى، يصاحبها التوق إلى معرفة أرض الوحي الطاهرة، وقد انتشرت منها الرسالة النبوية تذيع الأخوة والعدل والحب بين الناس، وتمكن لكلمة الله بين الجميع.
وهكذا بدا للأماكن المقدّسة جلال خاص في نفوس الحجاج الجزائريين كما صورته هذه الرحلات المفعمة حبًّا.. وتوقًا صوفيًا، فبرز أثره قويًا عليهم، خاصة على (الغسيري) و (سعد الله) وهما في (مكة) و (المدينة) وغيرهما من الأماكن التاريخية وما حولهما، يستحضران ظروف البعثة المحمدية وإشعاعها الإنساني وأثرها الحضاري والأخلاقي والديني بالخصوص على الإنسان، فصفت النفس وسمت الروح إلى آفاق تلك الرسالة وبما توحي به من حبّ وخير وفضيلة وتسامح، وإخلاص العبادة لله وحده بكلّ ما تتطلّبه من طهارة في القلب وفي الجسم واستقامة في السلوك، في محيط سمته العدل والإخاء والأنصاف بين الناس.
( هوامش
1-تحقيق وتقديم: محمد بن أبي شنب، مطبعة بييرفونتا الشرقية، الجزائر، 1908م.
2-نشرها في تسع عشرة حلقة بجريدة (البصائر) الأسبوعية، السلسلة الثانية، ابتداء من العدد: 250 في ربيع الثاني 1373هـ (11ديسمبر 1953) وانتهاء بالعدد: 276 في 24 شوال 1373هـ (25 جوان 1954م) ولما تنشر بعد في كتاب رغم أهميتها.