"لما تعلق قلبي بتلك الرسوم والآثار والرباع والقفار والديار والمعاطن والمياه والبساتين والأرياف والقرى والمزارع والأمصار، والعلماء والفضلاء والنجباء والأدباء من كلّ مكان، من الفقهاء والمحدثين والمفسّرين الأخيار، والأشياخ العارفين والإخوان والمحبين والمحبوبين من المجاذيب المقرّبين والأبرار من المشرق إلى المغرب، سيّما أهل الصحو والمحو إذ ليس لهم مع غير اللَّه فرار: أنشأت رحلة عظيمة، يستعظمها البادي ويستحسنها الشادي، فإنها تزهو بمحاسنها عن كثير من كتب الأخبار مبينًا فيها بعض الأحكام الغربية والحكايات المستحسنة والغرائب العجيبة وبعض الأحكام الشرعية مع ما فيها من التصوف ممّا فتح به عليّ أو منقولًا من الكتب" (50) .
وهذه الرحلة من أحسن ما ختم به القرن الثاني عشر الهجري (18م) في مجالها لا لطابعها الفكري والأدبي فحسب، بل لما انعكس فيها أيضًا من أوضاع مختلفة في الوطن العربي اقتصادية وثقافية واجتماعية، وسياسية كذلك، إضافة إلى الجانب الديني.
ونعبر من الورتلاني أخيرًا في القرن الثاني عشر الهجري إلى الثالث عشر (18و 19م) برحّالة شهد القرنين معا هو الزياني (أبو القاسم بن أحمد بن علي الزياني) (51) الذي أنجز رحلته في سنة (1238هـ-1818م) وأسماها (الترجمانة الكبرى) و"هي رحلة إلى أسطنبول وفهرسة ومختصر جغرافية، وموسوعة صغيرة ضمّت أخبارًا عديدة في مختلف الفنون والمواضيع" (52) .