يقول المباركفوري في الرحيق المختوم: (( فكان عامة الصحابة يخفون إسلامهم وعبادتهم ودعوتهم واجتماعهم ، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان يجهر بالدعوة والعبادة بين ظهراني المشركين ، لايصرفه عن ذلك شيء ، ولكن كان يجتمع مع المسلمين سرًا ، نظرًا لصالحهم وصالح الإسلام ، وكانت دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي على الصفا ، وكانت بمعزل عن أعين الطغاة ومجالسهم ، فكان اتخذها مركزًا لدعوته ، ولاجتماعه بالمسلمين ) ) [1] .
وعلى هذا فقد كانت قريش تعلم بأمر هذه الدعوة الجديدة ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم ، لاينكرها ، ولايخفيها ، بل كان يبلغها كل من لقيه من الناس ، وكل من توسم فيه القبول لدعوته . وكان أصحابه رضي الله عنهم كذلك ، يدعون إلى الله أفراد الناس ممن يتوسمون فيهم القبول والاستجابة ، قال ابن إسحاق: (( فلما أسلم أبوبكر رضي الله عنه ، أظهر إسلامه ، ودعا إلى الله ورسوله .. فجعل يدعو إلى الله وإلى الإسلام من وثق به من قومه ، ممن يغشاه ويجلس إليه ) ) [2] . وعلى هذا فإن هذه المرحلة من الدعوة النبوية يصدق عليها أن تُسمى مرحلة الدعوة الفردية ، أقرب من تسميتها بالدعوة السرية . والله أعلم .
هذا وإن الدعوة الفردية لم تكن مرحلة فقط في الدعوة ، بل كانت سمة من سماتها في جميع مراحلها .
صور الدعوة الفردية:
اتخذت الدعوة الفردية التي قام بها رسول الله صلى الله عليه وسلم صورًا عديدة منها:
أ - الزيارة [3] :
(1) صفي الرحمن المباركفوري ـ الرحيق المختوم ـ ص105 .
(2) ابن هشام 1/249 .
(3) جعلنا الزيارة صورة من صور الدعوة الفردية ، على اعتبار أن الزائر في الأغلب الأعم ، إنما يقصد بزيارته فردًا ، أو عددًا محدودًا من الناس ، وإلاّ فإن الزيارة قد تكون لجماعة من الناس ، وللبلدة ، ونحو ذلك مما يعدّ من صور الدعوة الجماعية كذلك .