ومن الدعاة من جعل مقصد دعوته مجرّد السعي إلى هداية الناس ، وإنقاذهم من النار ، وإخراجهم من الضلالة ، فقصر همّه في دعوته على استدراج الخلق إلى دين الله ، وتألّفهم ، والتحبّب إليهم ، ومجانبة الدعوة إلى كل ما يستثقلونه ، أو يكرهونه ، ولوكان مما أمر الله به وأوجبه ، أو نهى عنه وحرّمه ، واسترضائهم بما يحبّون أن يسمعوه من الوعظ ، وذكر اليسر في الدين ، والسكوت عن المنكرات ، والتغاضي عن البدع والخرافات ، فأرضى كثيرًا من الخلق بدعوته ، وإن لم يتّبعه منهم إلاّ القليل ، فسمّى ذلك حكمة ، ورفقًا ، ورحمة ، ولم يشعر بأنه قد أخلّ بأعظم مقاصد الدعوة ، وهو البيان والتبليغ ، والإنذار والتحذير ، إبلاغًا للرسالة ، وأداءً للأمانة ، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدّثّرُ . قُمْ فَأَنذِرْ} [المدثر:1-2] ، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَآ أُنزلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ وَإِن لّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة:67] .
وفئة ثالثة من الدعاة إلى الله ، قصرت الدعوة على مقصد واحد هو إظهار الدين ، وإعلاء كلمة الله في الأرض ، وإرغام الباطل وأهله ، وإخضاعهم صاغرين لأوامر الله ونواهيه . ومع أنّ هذا واحد من مقاصد الدعوة الثلاثة ، إلاّ أنه لايطلب في بدايات الدعوة ، وفي حال ضعف حملة الدين ، فما أذن الله بقتال الكفار ومراغمتهم إلاّ بعد تمكّن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين ، وقيام دولتهم ، واجتماع الأنصار حولهم ، لذلك فإن إخلال هؤلاء بالسّنن التي قامت عليها دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقصرهم الدعوة على مقصد واحد دون غيره ، أوقعهم في أخطاء ومخالفات ما كانوا ليقعوا فيها لو أنهم تمثّلوا مقاصد الدعوة إلى الله مجتمعة ، وعملوا على تحقيقها كاملة .