الصفحة 37 من 50

ويقول رحمه الله:"ينهى تعالى عن مجادلة أهل الكتاب إذا كانت عن غير بصيرة من المجادل , أو بغير قاعدة مرضية , وأن لا يجادلوا إلا بالتي هي أحسن ؛ بحسن خلق ولطف ولين كلام , ودعوة إلى الحق وتحسينه , ورد الباطل وتهجينه بأقرب طريق موصل لذلك , وأن لا يكون القصد منها مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو بل يكون القصد بيان الحق وهداية الخلق" (1) .

وهذه الأخلاق والآداب ظاهرة في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم مع المخالفين , فمثلا في مناظرته مع عتبة بن ربيعة , كان عليه الصلاة والسلام ينصت باهتمام لما يقوله عتبة , بل إنه يتأكد من انتهائه في عرض ما لديه , ويقدره بمناداته بكنيته:"أقد فرغت يا أبا الوليد" (2) .

ولا شك أن اصطحابها في مقام المجادلة والاختلاف سبب بإذن الله في فتح قلب الخصم لقبول الحق ومعين على الرجوع عن الخطأ , فإذا ظلم الآخر ساغ مقابلة ظلمه بغير التي هي أحسن , كما قال تعالى: { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } (3) وذلك بالإخشان والمغالظة أو الانتقال معه من الجدال إلى الجلاد , كما سنبينه في المبحث الثالث بإذن الله .

المبحث الثالث: ضوابط بعد حصول المجادلة:

كثيرًا ما ترد على الأذهان مسألة تتصل بنهاية الجدل والمناظرة , وفي هذا المبحث يمكن التفصيل من جهتين:

الأولى: النهاية الطبيعية للجدل والمناظرة باعتبارها حدثا ينتهي وقته المحدد، أو ينتهي التناظر فيه لانتهاء المتناظرين وتسليم أحدهما للآخر .

(1) المرجع السابق 632.

(2) انظر النص كاملا في السيرة النبوية لابن هشام 1 / 362 والبداية والنهاية 3 / 62 , 64 .

(3) سورة العنكبوت الآية 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت