ويقول رحمه الله:"وقد ينهون - أي السلف - عن المجادلة والمناظرة إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضل كما ينهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجًا قويًا من علوج الكفار فإن ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة" (1) .
وهذه القدرة أظهر ما تكون في ثلاثة جوانب:
*القدرة العلمية في الموضوع المتناظر فيه .
*القدرة الذهنية والفطنة في سرعة استحضار الأدلة والردود المناسبة .
*القدرة التعبيرية التي تحقق جزالة العرض والاستدلال وبلاغته ووجازته .
يقول ابن عبد البر رحمه الله:"قال بعض العلماء: كل مجادل عالم وليس كل عالم مجادلا , يعني أنه ليس كل عالم يتأتى له الحجة ويحضره الجواب ويسرع إليه الفهم بمقطع الحجة , ومن كانت هذه خصاله فهو أرفع العلماء وأنفعهم مجالسة ومذاكرة , والله يؤتي فضله من يشاء والله ذو الفضل العظيم" (2) .
ثالثًا: إخلاص النية لله تعالى في المجادلة , والحذر من أن يدخل فيها شيء مخالف أو مضاد أو مفسد للإخلاص , فمقام الجدل والمناظرة مظنة للزلل وغلبة الهوى وطلب الشهرة وغير ذلك من الأخلاق الذميمة في دخائل النفوس .
يقول الإمام الغزالي ناصحًا تلميذه بأمور منها:"أن لا تناظر أحدًا في مسألة ما استطعت ؛ لأن فيها آفات كثيرة ، فإثمها أكبر من نفعها إذ هي منبع كل خلق ذميم كالرياء والحسد والكبر والحقد والعداوة والمباهاة وغيرها"ثم يعقب بحل هذه المعضلة بجواب في غاية الدقة بأنك إذا كنت لا بد فاعلا فلتتبين صدقك في إرادة الحق من خلال علامتين:
"إحداهما: أن لا تفرق بين أن ينكشف الحق على لسانك أو على لسان غيرك ."
والثانية: أن يكون البحث في الخلاء أحب إليك من أن يكون في الملأ" (3) ."
(1) المرجع السابق 7 / 173.
(2) جامع بيان العلم وفضله 2 / 107.
(3) أيها الولد ص 65.