الصفحة 31 من 50

فقد يكون طالب الجدل أو المناظرة صاحب باطل ليس قصده طلب الحق , وإنما نشر باطله أو رغبة في شهرته ونحو ذلك . فهذا لا يجاب إليها فله أحكام أخرى تحكمه من الهجر أو التعزير بعقوبات أخرى .

…قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"والكلام الذي ذموه - أي السلف - نوعان:"

أحدهما أن يكون في نفسه باطلا وكذبًا ؛ وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل وكذب , فإن أصدق الكلام كلام الله .

والثاني أن يكون فيه مفسدة مثلما يوجد في كلام كثير منهم من النهي عن مجالسة أهل البدع ومناظرتهم ومخاطبتهم والأمر بهجرانهم , وهذا لأن ذلك قد يكون أنفع للمسلمين من مخاطبتهم , فإن الحق إذا كان ظاهرًا قد عرفه المسلمون وأراد بعض المبتدعة أن يدعو إلى بدعته فإنه يجب منعه من ذلك , فإذا هجر وعزر كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بصبيغ بن عسل التميمي وكما كان المسلمون يفعلونه ؛ أو قتل كما قتل المسلمون الجعد ابن درهم وغيلان القدري وغيرهما ؛ كان ذلك هو المصلحة ، بخلاف ما إذا ترك داعيًا وهو لا يقبل الحق إما لهواه , وإما لفساد إدراكه فإنه ليس في مخاطبته إلا مفسدة وضرر عليه وعلى المسلمين" (1) ."

أما الإعراض عن المبتدع والمبطل ففيه قول الله تعالى: { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } (2) .

قال الإمام القرطبي رحمه الله:"في هذه الآية رد من كتاب الله عز وجل على من زعم أن الأئمة الذين هم حجج وأتباعهم لهم أن يخالطوا الفاسقين ويصوبوا آراءهم تقية، وذكر الطبري عن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنه أنه قال: لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله ."

(1) درء تعارض العقل والنقل 7 / 172 , 173.

(2) سورة الأنعام الآية 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت