ومن خلال هذه الآية عرف أنه لقى الله وسمع كلامه ، بعدها استقر قلبه ، وذهب عنه الخوف والوجل ، ثم أمره الله عقبها أنه سينطلق إلى من ؟ !
إلى الجبار الطاغية ، ملك مصر ، الذي تربى في قصره ، وفر منه كما قدمنا سالفًا ، قال: { اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى } [ طه: 24 ] .
فالآن أعطاه الله آيتين عظيمتين وسماهما برهانين قاطعين الحية واليد البيضاء ، حجة قاطعة إلى فرعون وملئه ، إنهم كانوا قومًا فاسقين ، عندها أحس موسى عليه السلام بالخوف وبخطورة المواجهة ، إذ كيف يرجع إلى بلد هرب منها ، وقد طلبوه لقتله وهو وإن تمنى رؤية بلده ، لكنه يخاف بطش الطاغية هناك ، فأيده الله بهذين البرهانين ليقوي عزمه ، ويشحذ همته .
ولم يجد بُدًا من تلبية أمر الله ، وإجابة دعوته . لكن ذكر الله ما يختلج في نفسه من الذنب القديم { قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ } [ القصص: 33 - 34 ] .
انطلق موسى ، والهم يعتمل في نفسه فالتجأ بالدعوات إلى الله { قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا } [ طه: 25 - 35 ] .
فأجاب الله دعاءه: { قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى } [ طه: 36 ] .
ثبته الله ، وشرح صدره ، ويسر أمره وقواه ، وأحل عقدة من لسانه ، ودعمه بأخيه هارون يشاوره ، ويشد من أزره .