لا هُمَّ إن المرء .. يمنع ... رحلَه فامنع رِحالكْ
لا يعلبنَّ صليبُهم ... ومِحالهم أبدًا مِحالكْ
فلما كان الغد ذهب أبرهه لما أراد ، وعزم عليه ، وتهيأ بجيشه وفيلته . ووجَّه الفيل الضخم لمكة ، فبرك الفيل ولم يحرك ساكنًا .
فضربوه في رأسه ، وحركوه بكل شيء فأبى ، فوجهوه لليمن فسار راجعًا فأعادوه جهة مكة فبرك ، وكان كلما وجهوه لجهة تحرك وهرول ، إلا مكة ، فإنهم إذا وجّه استحسر وبرك ، ثم في أثناء ذلك ، سلط الله عليهم طيرًا من البحر ، أمثال الخطاطيف والتلبسان مع كل طائر ثلاثة أحجار وهذه الحجارة أمثال الحمص ، لا يصيب أحد منهم إلا هلك .
وخرج الجيش المدجج مهزومًا مدحورًا فارًا ، يسألون عن نُقيل بن حبيب يدلهم الطريق وكان ممن اعترضهم فأسروه وجعل نفيل وهو على رأس الجبال يقول:
أين المفر والإله الطالبُ
والأشرم المغلوب ليس الغالبُ ؟!
وجعلوا يهلكون ويتساقطون ، وكان أبرهة يسقط عضوًا عضوًا ، حتى قدموا به صنعاء ، وهو مثل الفرخ ، وهلك هناك .
قال تعالى: أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ
فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ
مَأْكُولٍ .
والمعنى جعل كيدهم في ضلال أي ذهاب وإبطال وسلط عليهم جماعات من الطير مجتمعة وتحصيهم كحجارة من سجيل أي مكونة من حجر وطين مطبوخ .
وكانت الحجارة تدخل من أعلى الرجل وتخرج من دبره ، بكل قوة وصلابة فهلكوا جميعًا .
قال تعالى { فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ } ، وهو التبن ، أو القشرة على الحبة من مأكول البهائم ، ثم آل ملك اليمن إلى أهله ، إذ بعد هلاك أبرهة ، ورثة ابن يكسوم، ثم خرج سيف بن ذي زين الحميري إلى كسرى فاستعانه على الحبشة ، فأعانه فردّ ملك اليمن وجاءته وفود العرب للتهئنة .