وذهب بعض علماء المالكية إلى أن أربعة أخماس يرجع أمرها إلى اجتهاد الإمام، فيقسمها بحسب ما يرى من المصلحة، وبحسب ما يرى من الاجتهاد، فإذا شاء أن يجعلها بين الغانمين بالسوية فله ذلك، وإذا شاء أن يصرفها في مصالح المسلمين العامة، ويحرم الغانمين منها فله ذلك، وإذا شاء أن يخص الغانمين دون بعض فله ذلك، وإذا شاء أن يفضل بعض الغانمين فيها على بعض فله ذلك. واستدل بعضهم بقول الله - عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} يعني: أمرها راجع إلى الله وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - يصرفها ويتصرف فيها كيفما يشاء، قالوا: والإمام إنما هو نائب عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فكما أسند أمر الغنيمة إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حياته، فأمر إسنادها يرجع إلى من يكون بعده من خلفاء وأمراء المسلمين، وعلى ذلك فقد حملوا هذه الآية على غير وجوب القسم، يعني هذا وجه من أوجه القسمة لا يتعين عليه، واستدلوا أيضًا بقصة حنين أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بعدما غنموا منهم ما غنموا من الغنم والإبل والسبي وغير ذلك، أعطى المهاجرين ومنع الأنصار، مع أن الأنصار هم الذين قاتلوا وحصّلوا هذه الغنيمة، حتى أن الأنصار وجدوا في أنفسهم فقالوا:"يعطيهم ويمنعنا، وسيوفنا لا زالت تقطر من دمائهم" [1] ، فقالوا: لو لم يكن أمرها راجع إلى الإمام -وفي ذلك الوقت هو النبي - صلى الله عليه وسلم - لما منعهم مما أعطاهم الشرع ومما ملكهم الشرع إياه، فهذا دليل على أن أمر الغنيمة راجع إلى اجتهاد الإمام. والدليل الثالث قالوا أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عندما فتح مكة لم يقسمها، مع أن مكة فتحت عنوة بالقوة والسيف، والأرض -وهي مكة- مال، ومع ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقسمها بين الغانمين وأبقاها على حالها، وهذا يدل على أن له أن
(1) . من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه: البخاري (4076) ، ومسلم (1059) ، وابن حبان (7278) وأحمد (12719) .