أهل النار: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير ? قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير} وقال تعالى: {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} .
وأما الأحكام والاعتقادات والأقوال العملية التي يتبعها المحكوم فهي الأمر والنهي والتحسين والتقبيح واعتقاد الوجوب والتحريم ويسميها كثير من المتفقهة والمتكلمة الأحكام الشرعية وتسمى الفروع والفقه ونحو ذلك. وهذه تكون في جميع الملل والأديان وتكون في الأمور الدنيوية من السياسات والصناعات والمعاملات وغير ذلك وهي التي قصدنا الكلام عليها في هذه القاعدة حيث قلنا: إن الاعتقادات قد تؤثر في الأحكام الشرعية فهذه أيضا الناس فيها طرفان ووسط:
الطرف الأول: طرف الزنادقة الإباحية الكافرة بالشرائع والوعيد والعقاب في الدار الآخرة الذين يرون أن هذه الأحكام تتبع الاعتقاد مطلقا والاعتقاد هو المؤثر فيها فلا يكون الشيء واجبا إلا عند من اعتقد تحريمه (*) ويرون أن الوعيد الذي يلحق هؤلاء هو عذاب نفوسهم بما اعتقدوه من الأمر والنهي والإيجاب والتحريم وما اعتقدوه من أنهم إذا فعلوا المحرمات وتركوا الواجبات عذبوا وعوقبوا فيبقى في نفوسهم خوف وتألم وتوهم للعذاب وتخيل له فيزعمون أن هذا الألم الناشئ عن هذا الاعتقاد والتخيل هو عقابهم وعذابهم وذاك ناشئ عما اعتقدوه كمن اعتقد أن هنا أسدا أو لصا أو قاطع طريق من غير أن يكون له وجود فيتألم ويتضرر بخوفه من هذا المحذور الذي اعتقده. فاجتمع اعتقاد غير مطابق ومعتقد يؤلم وجوده فتألمت النفس بهذا الاعتقاد والتخيل. وقد يقول حذاق هؤلاء من الإسماعيلية والقرامطة وقوم يتصوفون أو يتكلمون وهم غالية المرجئة: إن الوعيد الذي جاءت به الكتب الإلهية إنما هو تخويف للناس لتنزجر عما نهيت عنه من غير أن يكون له حقيقة بمنزلة ما يخوف العقلاء الصبيان والبله بما لا حقيقة له لتأديبهم وبمنزلة مخادعة