كذلك فان الكوفيين ليسوا كما قيل عنهم في قبولهم لكل القراءات، وذلك لأنهم قد ردوا بعض القراءات، وقد صدر هذا عن أهم اعلام النحو الكوفي، وذلك على ماهو آت:
-الكسائي تراجع عن قراءة (حتى يقول الرسول) بالرفع واخذ بالنصب.
-الفراء رد قراءات ورأى قلة من القراء سالمة من الوهم.
-ثعلب (ت 291هـ) يحصر مساواة الوجوه الاعرابية في السبع فقط.
-ابن الانباري يرد بعض القراءات مخطئًا. [1]
وعلى ما سلف نرى ان الامر متحقق عند الطرفين، وان للشاهد القرآني حضورًا متميزًا عند كلا المذهبين.
القرآن والنحو القرآني:
ان من الامور التي يؤكدها الدارسون ما أثر عن تدارس القرآن الكريم من علوم مختلفة كان لها أثرها في حياة الأمة، ومن تلك العلوم علم النحو العربي، وقد كان الأعراب قبل ميلاد النحو يعرفون بالفطرة والبديهة حقيقة التراكيب اللغوية والنحوية من غير نحو او قواعد، فالعربي القح يفهم على سجيته، ولذلك عندما سمع احدهم قارئًا يقرأ قوله (- سبحانه وتعالى -) : {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ، [2] مبدلًا الفاصلة بـ (والله غفور رحيم) انكر ذلك ثم قيل له؛ التلاوة؛ (والله عزيز حكيم) ، فقال؛ هكذا يكون، عزّ فحكم فقطع، وفهم هذا العربي حجةٌ قاطعة، [3] وقد لمس ابو حيان هذا المنزع الصافي في استيعاب كلام العرب وكلام الله (- سبحانه وتعالى -) وانه غير متأتٍّ بنقل البصريين او الكوفيين وانما يعرف ذلك من له استبحار في علم العربية، لا أصحاب الكنانيش، [4] المشتغلون بضروب من مبادئ العلوم الاخذون عن الصحف دون الشيوخ، [5] وأرى في قول أبي حيان امرين مهمين هما:
(1) ينظر: معاني الفراء: 75، 76، 81،139، 285، 342، 408، 419،3/ 120، السبعة: 181، 206 - 207، 262، 554، القصائد السبع الطوال: 137، 262، 554، حجة ابي زرعة: 33، 34، البحر: 4/ 92، الدر: 1/ 48، معترك الأقران: 1/ 122، الكوفيون والقراءات: 52 - 58.
(2) المائدة: 38.
(3) ينظر: الدر: 3/ 87، معترك الأقران: 1/ 32.
(4) الكنانيش: أوراق تُجعل كالدفتر تقيد فيها الفوائد والشرائد للضبط، هكذا يستعمله المغاربة، ينظر: التاج: 17/ 369، (كنش) طبعة الكويت.
(5) ينظر: النهر: 1/ 423.