الصفحة 413 من 562

وذهب ابو حيان الى تخريج مختلف فهو يرى ان (من) تزاد في معمول الفعل المنفي، فحملُ الجملة في اللغة من غير الفعل على الجملة الفعلية لأن المعنى: (وما يضرون من أحد) ، [1] واذا اردنا ان نقف على الحقيقة فلا بد لانا من معرفة حقيقة لفظة (مِنْ) هذه، وقد حددها أصحاب كتب الحروف باربع صفات هي؛ ان دخولها على الاسم كخروجها وان اثباتها لتوكيد الاستغراق، ودخولها على الفاظ العموم المختصة بالنفي، [2] وفيها خلاف فالبصريون يجيزونها في غير الموجب وكون مجرورها نكرةً، والكوفيون يشرطون التنكير فقط، أما الكسائي وهشام والاخفش وابن مالك فيقرونها زائدةً بلا شرط، [3] وهذه الاقوال جميعها تقر زيادتها، ومع هذا الاقرار يذهب ابن جني والزمخشري إلى قول مختلف لا يشير إلى الزيادة في التركيب، ولعلهما قد ذهبا إلى المبالغة في الابقاء على التوكيد بثبوت (مِنْ) في التركيب فجعلاها جزءًا من المجرور وعداها اسمًا واحدًا، غير ان الحقيقة النحوية لاتجري الا على قول أبي حيان، وذلك من وجهين هما:

-ورود زيادتها في الآية نفسها في قوله (- سبحانه وتعالى -) : {وَمَا يُعَلِمِّاَنِ مِنْ أَحَدٍ} ، [4] قبل موطن الخلاف في الآية فهو محمول على وما يعلمان أحدًا.

-اقرار زيادتها عند الجميع مشروطة وغير مشروطة عند الفريقين.

ومما ورد آنفا يتضح ان ما يجب ان يخلص اليه ابو حيان هو ان التركيب قد حُمل على"مايضرون من احد"، مع الغاء الزائد والاخذ بالنص المقروء يكون التركيب على تقدير، ماهم ضاري احد، وهذا فحوى القراءة مجردة من المختلف فيه، كما ان التركيب فيه قراءتان مخالفتان لقراءة الاضافة هما قراءة الجمهور بالجمع والنون وقراءة اخرى بالتثنية والنون، وفيهما اعمال وهو محمول على زيادة (من) بلا جدال وفيه تعضيد لقول ابي حيان، وتضعيف لقولي ابن جني والزمخشري، كما ان سيبويه قد فصل بين العامل المضاف والمعمول المضاف اليه، معتمدا على قول العرب، (يا سارقَ الليلةَ أهلِ ... الدار) ، [5] وهذا في سعة الكلام لا في ضرورة الشعر مع مراعاة الفارق بين اللفظين الفاصلين في التركيبين

(1) ينظر: م. ن الأخيران.

(2) ينظر: حروف المعاني: 50، الازهية: 224 - 226، الجنى: 320، أوضح المسالك: 3/ 35.

(3) ينظر: الازهية: 227، 228، الجنى: 321، ابن عقيل: 2/ 16، 17.

(4) البقرة: 102.

(5) ينظر: الكتاب: 1/ 90.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت