فَهَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ عَلَى أَنَّهُمْ مَا قَالُوا مَا نُقِلَ عَنْهُمْ مِمَّا يُورِثُ أَذَى النَّبِيِّ لِيُرْضُوكُمْ،فَلاَ تُخْبِرُوا النَّبِيَّ،مَعْ أَنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ أَحَقُّ بِالإِرْضَاءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ،لأنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ،وَيَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ.وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ .
أَلاَ يَعْلَمُ هَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ أَنَّ مَن شَاقَّ اللهَ وَرَسُولَهُ بِتَعَدِّي حُدُودِ مَا أَنْزَلَ اللهُ،وَحَارَبَهُمَا وَخَالَفَهُمَا،وَلَمَزَ رَسُولَ اللهِ فِي أَعْمَالِهِ وَأَخْلاَقِهِ،فَإِنَّهُ سَيَصْلَى نَارَ جَهَنَّمَ،وَيَبْقَى خَالِدًا فِيهَا،وَهَذا هُوَ الذُّلُ العَظِيمُ،وَالشَّقَاءُ الكَبِيرُ . كَانَ المُنَافِقُونَ يَقُولُونَ القَوْلَ بَيْنَهُمْ،ثُمَّ يَقُولُونَ عَسَى اللهُ أَنْ لاَ يَفْشِي عَلَيْنَا سِرَّنَا هَذَا بِإِنْزَالِ آيَةٍ عَلَى رَسُولِهِ،تَفْضَحُ مَا قُلْنَاهُ .
وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلًا:إِنَّهُ سَيُخْرِجُ مَا يَحْذَرُونَ لِيَعْلَمَهُ الرَّسُولُ وَالمُؤْمِنُونَ،فَلْيَسْتَهْزِئُوا مَا شَاؤُوا .
وَخَوْفُ المُنَافِقِينَ مِنَ الْفَضِيحَةِ،وَمِنْ كَشْفِ عَوْرَاتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ،همُاَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الشَّكِّ وَالارْتِيَابِ،لأَنَّهُمْ مُذَبْذَبُونَ،لاَ هُمْ مَعَ المُؤْمِنِينَ الْمُوقِنِينَ،وَلاَ هُمْ بِالكَافِرِينَ الجَازِمِينَ بِصِحَّةِ الكُفْرِ .
حِينَمَا كَانَ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - مُنْطَلِقًا فِي الطَّرِيقِ إِلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ بَعْضُ المُنَافِقِينَ لِبَعْضٍ:أَتَحْسَبُونَ جَلاَدَ بَنِي الأَصْفَر ( يَعْنِي الرُّوم ) كَقِتَالِ العَرَبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا،وَاللهِ لَكَأَنَّنَا بِكُمْ غَدًا مُقْرَّنِينَ فِي الحِبَالِ؟ وَكَانَ هَؤُلاَءِ يَقُولُونَ هَذَا القَوْلَ إِرْجَافًا،وَتَرْهِيبًا لِلْمُسْلِمِينَ.فَقَالَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ:أَدْرِكِ القَوْمَ فَقَدِ احْتَرَقُوا،فَاسْأَلْهُمْ عَمَّا قَالُوا،فَإِنْ أَنْكَرُوا فَقُلْ بَلَى قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا..فَقَالَ لَهُمْ عَمَّارُ ذَلِكَ فَأَتَوْا إِلَى رَسُولِ اللهِ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ،وَقَالَ أَحَدُهُمْ:يَا رَسُولَ اللهِ،إِنَّمَا كَنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ.أَيْ إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا جَادِّينَ فِيمَا يَقُولُونَ،وَإِنَّمَا قَالُوا مَا قَالُوا لِلتَّسَلِّيِ وَالتَّلَهِّي،وَفِي ظَنِّهِمْ أَنَّ هَذَا عُذْرٌ مَقْبُولٌ،وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اتِخَاذَ الدِّينِ هَزْوًا وَلِعِبًا كُفْرٌ مَحْضٌ،لأنَّ الخَوْضَ وَالَّلعِبَ فِي صِفَاتِ اللهِ،وَشَرْعِهِ وَآيَاتِهِ،المُنْزَّلَةِ هُوَ اسْتِهْزَاءٌ بِهَا .
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِهَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ:لاَ تَعْتَذِرُوا عَمَّا قُلْتُمْ،فَقَدْ كَفَرْتُمْ بِهَذَا القَوْلِ الذِي اسْتَهْزَأْتُمْ بِهِ بِآيَاتِ اللهِ.وَاعْتِذَارُكُمْ هُوَ إِقْرَارٌ بِذَنْبِكُمْ،فَإنْ يَعْفُ اللهُ تَعَالَى عَنْ بَعْضِكُمْ