الدُّنْيا،مَا دَامُوا مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِهِمْ،قَائِمِينَ بِأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ،وَإنْ حَقَّقَ الكَافِرُونَ بَعْضَ الظَّفرِ،فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ،فَالعَاقِبَةُ لِلْحَقِّ دَائِمًا،وَالبَاطِلُ إلى زَوَالٍ.كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى لَنْ يَجْعَلَ لِلْكَافِرِينَ سُلْطَانًا عَلَى المُؤْمِنِينَ فِي الآخِرَةِ .
يَعْتَقِدُ المُنَافِقُونَ،جَهْلًا مِنْهُمْ وَسَفْهًا،أنَّ أُمُورَهُمْ رَاجَتْ عِنْدَ النَّاسِ لِمَا أَظْهَرُوهُ لَهُمْ مِنَ الإِيمَانِ وَأَبْطَنُوهُ مِنَ الكُفْرِ،وَأنَّ نِفَقاَهُمْ سَيَرُوجُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ أَيْضًا،كَمَا رَاجَ عِنْدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا،وَقَدَ جَهَلَ هَؤُلاءِ المَخْدُوعُونَ أنَّ اللهَ عَالِمٌ بِمَسْلَكِهِمْ وَسَرَائِرِهِمْ،وَهُوَ يَخْدَعُهُمْ إذْ يَسْتَدْرِجُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ،وَضَلاَلِهِمْ،وَيَخْدَعُهُمْ عَنِ الحَقِّ وَالوُصُولِ إلَيْهِ،فِي الدُّنْيَا،وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ .
وَمِنْ صِفَةِ هَؤُلاءِ المُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ حَتَّى فِي الصَّلاَةِ،التِي هِيَ أَعْظَمُ الفَرَائِضِ وَالقُرُبَاتِ إلَى اللهِ،لا يُؤَدُّونَها إلا وَهُمْ كُسَالَى،لاَ حَمَاسَةَ لَهُمْ فِيهَا،لأَنَّهُمْ لا نِيَّةَ لَهُمْ وَلا إِيمَانَ لَهُمْ،وَلاَ يَفْقَهُونَ مَعْنَى الصَّلاَةِ،وَهُمْ يَتَظَاهَرُونَ بِالصَّلاَةِ أَمَامَ النَّاسِ،تَقِيَّةً وَمُصَانَعَةً،وَهُمْ فِي صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ لاَهُونَ لاَ يَخْشَعُونَ،وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إلاَّ قَلِيلًا
المُنَافِقُونَ مُحَيَّرُونَ بَيْنَ الإِيمَانِ وَبَيْنَ الكُفْرِ،فَلاَ هُمْ مَعَ المُؤْمِنِينَ،ظَاهِرًا وَبَاطِنًا،وَلاَ هُمْ مَعَ الكَافِرِينَ،وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَرِيهِ الشَّكُّ،فَتَارَةً يَمِيلُ إلَى هَؤُلاَءِ،وَتَارَةً يَمِيلُ إلَى أُوْلَئِكَ.وَمَنْ صَرَفَهُ اللهُ تَعَالَى عَنْ طَرِيقِ الهُدَى،فَلَنْ تَجِدَ لَهُ مُنْقِذًا وَلاَ مُرْشِدًا،فَإِنَّهُ تَعَالَى لاَ مُعَقِّبَ عَلَى حُكْمِهِ،وَلاَ يَسْألُ عَمَّا يَفْعَلُ،وَهُمْ يُسْأَلُونَ .
يَنْهَى اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ أَنْ يَتَخِذُوا الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ لَهُمْ،مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ،يُصَاحِبُونَهُمْ وَيُصَادِقُونَهُمْ،وَيُنَاصِحُونَهُمْ،وَيُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ،وَيُفْشُونَ إلَيْهِمْ أَحْوَالَ المُؤْمِنِينَ البَاطِنَةَ .
وَيَقُولُ لَهُمْ إِنَّهُمْ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ جَعَلُوا للهِ عَلَيْهِمْ حُجَّةً بَيِّنَةً وَعُذْرًا فِي عُقُوبَتِهِ إِيّاهُمْ. ( وَالمُرَادُ هُنَا النُّصْرَةُ بِالقَوْلِ وَالفِعْلِ بِمَا يَكُونُ فِيهِ ضَرَرُ المُسْلِمِينَ ) .
يَقُولُ تَعَالَى إنَّ المُنَافِقِينَ سَيَكُونُ مَصِيرُهُمْ فِي أَسْفَلِ طَبَقَاتِ ( دَرَكَاتِ ) نَارِ جَهَنَّمَ،وَلَنْ يَنْصُرَهُمْ أَحَدٌ مِنْ عَذَابِ اللهِ .