وَهَؤُلاَءِ كَالجَمَاعَةِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ الذِينَ خَرَجُوا يَوْمَ بَدْرٍ مَعَ قُرَيشٍ فَحَضَرُوا القِتَالَ وَهُمْ كَارِهُونَ،لِذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ عَنْ قَتْلِ العِبَّاسِ،وَأَمَرَ بِأسْرِهِ .
وَهُنَاكَ فِئَةٌ مُنَافِقَةٌ،يُظْهِرُونَ لِلنَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ الإِسْلاَمَ،لِيَأْمَنُوا بِذَلِكَ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ،وَيُصَانِعُونَ الكُفَّارَ فِي البَاطِنِ،فَيَعْبُدُونَ مَعَهُمْ مَا يَعْبُدُونَ لِيَأْمَنُوا بِذَلِكَ عِنْدَهُمْ،وَهُمْ فِي البَاطِنِ مَعْ أُولَئِكَ،وَكُلَّمَا دُعُوا إلى الشِّرْكِ ( الفِتْنَةِ ) أَوْغَلُوا فِيهِ وَانْهَمَكُوا،وَتَحَوَّلُوا إلَيهِ أَقْبَحَ تَحوُّلٍ،فَهَؤُلاَءِ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - بِقِتَالِهِمْ إلى أنْ يَعْتَزِلُوا القِتَالَ،وَيَقْبَلُوا بِالصُّلْحِ وَالمُهَادَنَةِ،وَيُلْقُوا إلى المُسْلِمِينَ زِمَامَ المُسَالَمَةِ وَالمُهَادَنَةِ،وَقَدْ جَعَلَ اللهُ لِلمُؤْمِنِينَ سُلْطَانًا وَاضِحًا عَلَى قِتَالِهِمْ . [1]
إننا نجد في النصوص استنكارا لانقسام المؤمنين فئتين في أمر المنافقين وتعجبا من اتخاذهم هذا الموقف وشدة وحسما في التوجيه إلى تصور الموقف على حقيقته،وفي التعامل مع أولئك المنافقين كذلك.
وكل ذلك يشي بخطر التميع في الصف المسلم حينذاك - وفي كل موقف مماثل - التميع في النظرة إلى النفاق والمنافقين لأن فيها تميعا كذلك في الشعور بحقيقة هذا الدين.ذلك أن قول جماعة من المؤمنين: «سبحان اللّه! - أو كما قالوا - أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم،نستحل دماءهم وأموالهم؟» ..وتصورهم للأمر على هذا النحو،من أنه كلام مثل ما يتكلم المسلمون! مع أن شواهد الحال كلها وقول هؤلاء المنافقين: «إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس» ..وشهادة الفئة الأخرى من المؤمنين وقولهم: «يظاهرون عدوكم» ..تصورهم للأمر على هذا النحو فيه تمييع كبير لحقيقة الإيمان،في ظروف تستدعي الوضوح الكامل،والحسم القاطع.فإن كلمة تقال باللسان مع عمل واقعي في مساعدة عدو المسلمين الظاهرين،لا تكون إلا نفاقا.ولا موضع هنا للتسامح أو للإغضاء.لأنه تمييع للتصور ذاته ..
وهذا هو الخطر الذي يواجهه النص القرآني بالعجب والاستنكار والتشديد البين.
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 581)