الصفحة 27 من 367

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى الْحَجَرِ «وَاللَّهِ لَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ يَشْهَدُ عَلَى مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ» [1] .

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «يَاتِى الرُّكْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَنْ أَبِى قُبَيْسٍ لَهُ لِسَانٌ وَشَفَتَانِ» [2] .

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «نَزَلَ الْحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِى آدَمَ» [3] .

(1) - سنن الترمذى برقم (976) صحيح = وفي تحفة الأحوذي - (ج 3 / ص 19)

قَوْلُهُ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَجَرِ) أَيْ فِي شَانِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَوَصْفِهِ

(لَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ) أَيْ لَيُظْهِرَنَّهُ (لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا) فَيَعْرِفُ مَنْ اِسْتَلَمَهُ

(يَشْهَدُ عَلَى مَنْ اِسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ) قَالَ الْعِرَاقِيُّ: عَلَى هَذَا بِمَعْنَى اللَّامِ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالدَّارِمِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ يَشْهَدُ لِمَنْ اِسْتَلَمَهُ، قَالَ وَالْبَاءُ فِي بِحَقٍّ يُحْتَمَلُ تَعَلُّقُهَا بِيَشْهَدُ أَوْ بِاسْتَلَمَهُ، كَذَا فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي. وَقَالَ الشَّيْخُ فِي اللُّمَعَاتِ: كَلِمَةُ عَلَى بِاعْتِبَارِ تَضْمِينِ مَعْنَى الرَّقِيبِ وَالْحَفِيظِ، وَقَوْلُهُ بِحَقٍّ مُتَعَلِّقٌ بِاسْتَلَمَهُ، أَيْ اِسْتَلَمَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِيَشْهَدُ وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إِيجَادِ الْبَصَرِ وَالنُّطْقِ فِي الْجَمَادَاتِ فَإِنَّ الْأَجْسَامَ مُتَشَابِهَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ يَقْبَلُ كُلٌّ مِنْهَا مَا يَقْبَلُ الْآخَرُ مِنْ الْأَعْرَاضِ. وَيُؤَوِّلُهُ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغُ التَّفَلْسُفِ وَيَقُولُونَ إِنَّ ذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ تَحْقِيقِ ثَوَابِ الْمُسْتَلِمِ وَإِنَّ سَعْيَهُ لَا يَضِيعُ وَالْعَجَبُ مِنْ الْبَيْضَاوِيِّ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ الْأَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْمُرَادَ هَذَا وَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ حَمْلُهُ عَلَى الظَّاهِرِ، وَلَا عَجِبَ فَإِنَّهُ مَجْبُولٌ عَلَى التَّفَلْسُفِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَشَرْحِ الْأَحَادِيثِ تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ اِنْتَهَى كَلَامُ الشَّيْخِ.

(2) - مسند أحمد برقم (7166) حسن

(3) - سنن الترمذى برقم (886) قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وهو كما قال

وفي تحفة الأحوذي - (ج 2 / ص 422)

قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ: أَيْ صَارَتْ ذُنُوبُ بَنِي آدَمَ الَّذِينَ يَمْسَحُونَ الْحَجَرَ سَبَبًا لِسَوَادِهِ، وَالْأَظْهَرُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى حَقِيقَتِهِ إِذْ لَا مَانِعَ نَقْلًا وَلَا عَقْلًا. وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا يَعْنِي الْحَنَفِيَّةَ: هَذَا الْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي تَعْظِيمِ شَانِ الْحَجَرِ وَتَفْظِيعُ أَمْرِ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْحَجَرَ لِمَا فِيهِ مِنْ الشَّرَفِ وَالْكَرَامَةِ وَالْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ شَارَكَ جَوَاهِرَ الْجَنَّةِ فَكَأَنَّهُ نَزَلَ مِنْهَا وَأَنَّ خَطَايَا بَنِي آدَمَ تَكَادُ تُؤَثِّرُ فِي الْجَمَادِ فَتَجْعَلُ الْمُبْيَضَّ مِنْهُ أَسْوَدَ فَكَيْفَ بِقُلُوبِهِمْ أَوْ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُكَفِّرٌ لِلْخَطَايَا مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ كَأَنَّهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَمِنْ كَثْرَةِ تَحَمُّلِهِ أَوْزَارَ بَنِي آدَمَ صَارَ كَأَنَّهُ ذُو بَيَاضٍ شَدِيدٍ فَسَوَّدَتْهُ الْخَطَايَا وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّهُ كَانَ فِيهِ نُقَطٌ بِيضٌ ثُمَّ لَا زَالَ السَّوَادُ فَتَرَاكَمَ عَلَيْهَا حَتَّى عَمَّهَا. وَفِي الْحَدِيثِ: إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ نَكَتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَإِذَا أَذْنَبَ نكتت فِيهِ نُكْتَةٌ أُخْرَى وَهَكَذَا حَتَّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ جَمِيعُهُ وَيَصِيرَ مِمَّنْ قَالَ فِيهِمْ {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَجَرَ بِمَنْزِلَةِ الْمِرْآةِ الْبَيْضَاءِ فِي غَايَةٍ مِنْ الصَّفَاءِ وَيَتَغَيَّرُ بِمُلَاقَاةِ مَا لَا يُنَاسِبُهُ مِنْ الْأَشْيَاءِ حَتَّى يَسْوَدَّ لَهَا جَمِيعُ الْأَجْزَاءِ وَفِي الْجُمْلَةِ الصُّحْبَةُ لَهَا تَاثِيرٌ بِإِجْمَاعِ الْعُقَلَاءِ اِنْتَهَى كَلَامُ الْقَارِي. قَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ: وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْمُلْحِدِينَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ كَيْفَ سَوَّدَتْهُ خَطَايَا الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ تُبَيِّضْهُ طَاعَاتُ أَهْلِ التَّوْحِيدِ؟ وَأُجِيبَ بِمَا قَالَ اِبْنُ قُتَيْبَةَ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَكَانَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ بِأَنَّ السَّوَادَ يَصْبُغُ وَلَا يَنْصَبِغُ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ الْبَيَاضِ. وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: فِي بَقَائِهِ أَسْوَدَ عِبْرَةٌ لِمَنْ لَهُ بَصِيرَةٌ. فَإِنَّ الْخَطَايَا إِذَا أَثَّرَتْ فِي الْحَجَرِ الصَّلْدِ فَتَاثِيرُهَا فِي الْقَلْبِ أَشَدُّ، قَالَ وَرُوِيَ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ إِنَّمَا غَيَّرَهُ بِالسَّوَادِ لِئَلَّا يَنْظُرَ أَهْلُ الدُّنْيَا إِلَى زِينَةِ الْجَنَّةِ فَإِنْ ثَبَتَ فَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ. قَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ: أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي فَضَائِلِ مَكَّةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ اِنْتَهَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت