الصفحة 52 من 139

فَإِنَّهُ لَمَّا حَرُمَتْ قَالُوا كَيْفَ بِمَنْ مَاتَ وَهُوَ يَشْرَبُهَا فَنَزَلَتْ الْآيَةُ فَرُفِعَ الْجُنَاحُ وَهُوَ مَعْنَى الْعَفْوِ وَمِثْلُ ذَلِكَ الرِّبَا الْمَعْمُولُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَكَذَلِكَ بُيُوعُ الْغَرَرِ الْجَارِيَةُ بَيْنهمْ كَبَيْعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ وَالثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ كُلِّهَا كَانَتْ مَسْكُوتًا عَنْهَا وَمَا سُكِتَ عَنْهَا فَهُوَ فِي مَعْنَى الْعَفْوِ وَالنَّسْخُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَرْفَعُ هَذَا الْمَعْنَى لِوُجُودِ جُمْلَةٍ مِنْهُ بَاقِيَةٍ إلَى الْآنَ عَلَى حُكْمِ إقْرَارِ الْإِسْلَامِ كَالْقِرَاضِ وَالْحُكْمِ فِي الْخُنْثَى بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمِيرَاثِ وَغَيْرِهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا نَبَّهَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ الْوَجْهُ الثَّالِثُ السُّكُوتُ عَنْ أَعْمَالٍ أُخِذَتْ قَبْلُ مِنْ شَرِيعَةِ إبْرَاهِيمَ عليه السلام كَمَا فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَسَائِرِ أَفْعَالِهِمَا إلَّا مَا غَيَّرُوا فَقَدْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالسِّفَاحِ وَيُطَلِّقُونَ وَيَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ أُسْبُوعًا وَيَمْسَحُونَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَيَسْعَوْنَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيُلَبُّونَ وَيَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ وَيَاتُونَ مُزْدَلِفَةَ وَيَرْمُونَ الْجِمَارَ وَيُعَظِّمُونَ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ وَيُحَرِّمُونَهَا وَيَغْتَسِلُونَ مِنْ الْجَنَابَةِ وَيَغْسِلُونَ مَوْتَاهُمْ وَيُكَفِّنُونَهُمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيَقْطَعُونَ السَّارِقَ وَيُصَلِّبُونَ قَاطِعَ الطَّرِيقِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ فِيهِمْ مِنْ بَقَايَا مِلَّةِ أَبِيهِمْ إبْرَاهِيمَ فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ إلَى أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ فَبَقُوا عَلَى حُكْمِهِ حَتَّى أَحْكَمَ الْإِسْلَامُ مِنْهُ مَا أَحْكَمَ وَانْتَسَخَ مَا خَالَفَهُ فَدَخَلَ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْعَفْوِ مِمَّا لَمْ يَتَجَدَّدْ فِيهِ خِطَابٌ زِيَادَةً عَلَى التَّلَقِّي مِنْ الْأَعْمَالِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَقَدْ نَسَخَ مِنْهَا مَا نَسَخَ وَأَبْقَى مِنْهَا مَا أَبْقَى عَلَى الْمَعْهُودِ الْأَوَّلِ انْتَهَى كَلَامُ الشَّاطِبِيِّ فِي الْمُوَافَقَاتِ بِتَصَرُّفٍ (وَصْلٌ) فِي بَيَانِ هَذَا الْفَرْقِ بِثَلَاثِ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) يَجْتَمِعُ خِطَابُ الْوَضْعِ مَعَ خِطَابِ التَّكْلِيفِ فِي أُمُورٍ مِنْهَا الزِّنَا فَإِنَّهُ خِطَابُ تَكْلِيفٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ حَرَامٌ وَوَضْعٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ سَبَبٌ لِلْحَدِّ وَمِنْهَا السَّرِقَةُ فَهِيَ خِطَابُ تَكْلِيفٍ مِنْ جِهَةِ التَّحْرِيمِ وَوَضْعٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا سَبَبُ الْقَطْعِ وَمِنْهَا بَقِيَّةُ الْجِنَايَاتِ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ وَهِيَ أَسْبَابُ الْعُقُوبَاتِ وَمِنْهَا الْبَيْعُ فَإِنَّهُ خِطَابُ تَكْلِيفٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُبَاحٌ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ وَاجِبٌ أَوْ حَرَامٌ عَلَى قَدْرِ مَا يَعْرِضُ لَهُ فِي صُوَرِهِ عَلَى مَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَوَضْعٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ سَبَبُ انْتِقَالِ الْمِلْكِ فِي الْبَيْعِ الْجَائِزِ أَوْ التَّقْدِيرِ فِي الْمَمْنُوعِ وَمِنْهَا بَقِيَّةُ الْعُقُودِ فَإِنَّهَا تَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ وَيَنْفَرِدُ خِطَابُ الْوَضْعِ عَنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ فِي أُمُورٍ مِنْهَا الزَّوَالُ وَرُؤْيَةُ الْهِلَالِ وَدَوَرَانُ الْحَوْلِ وَنَحْوُهَا فَإِنَّهَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَلَيْسَ فِيهَا أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ وَلَا إذْنٌ مِنْ حَيْثُ هِيَ كَذَلِكَ بَلْ إنَّمَا وُجِدَ الْأَمْرُ فِي أَثْنَائِهَا وَتَرَتُّبِهَا فَقَطْ وَيَنْفَرِدُ خِطَابُ التَّكْلِيفِ عَنْ خِطَابِ الْوَضْعِ فِي أُمُورٍ مِنْهَا أَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمُحَرَّمَاتِ كَإِيقَاعِ الصَّلَوَاتِ وَتَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ فَإِنَّ هَذِهِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ لَمْ يَجْعَلْهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ سَبَبًا لِفِعْلٍ آخَرَ نُؤْمَرُ بِهِ أَوْ نُنْهَى عَنْهُ بَلْ وُقِفَ الْحَالُ عِنْدَ أَدَائِهَا وَتَرَتُّبِهَا عَلَى أَسْبَابِهَا وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الشَّرْعِ قَدْ جَعَلَهَا سَبَبًا لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَتَرْتِيبِ الثَّوَابِ وَدَرْءِ الْعِقَابِ غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ أَفْعَالًا لِلْمُكَلَّفِ وَنَحْنُ لَا نَعْنِي بِكَوْنِ الشَّيْءِ سَبَبًا إلَّا كَوْنَهُ سَبَبًا لِفِعْلٍ مِنْ قِبَلِ الْمُكَلَّفِ فَبَيْنَهُمَا الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْوَجْهِيُّ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الصَّبِيِّ إذَا أَفْسَدَ الصَّبِيُّ مَالًا لِغَيْرِهِ إخْرَاجُ الْجَابِرِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ فَالْإِتْلَافُ سَبَبٌ لِلضَّمَانِ عَلَى الصَّبِيِّ بَعْدَ بُلُوغِهِ إخْرَاجَ الْجَابِرِ مِنْ مَالِهِ إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ الْوَلِيُّ مِنْ قَبْلُ فَقَدْ تَقَدَّمَ السَّبَبُ فِي زَمَنِ الصِّغَرِ وَتَأَخَّرَ أَثَرُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَأَمَّا بَيْعُهُ وَنِكَاحُهُ وَطَلَاقُهُ وَعِتْقُهُ فَلَا تَكُونُ أَسْبَابًا لِآثَارِهَا لَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ اعْتِبَارِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت