عَلَى الْمُتَّهَمِ , فَبَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ تَقْسِيمٌ لَمْ يَاتِ بِهِ قُرْآنٌ , وَلَا سُنَّةٌ , وَمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحُكْمِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ الْيَمِينِ عَلَى الْكَافِرِ , وَالْكَاذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى , وَعَلَى رَسُولِهِ عليه الصلاة والسلام مِنْ الْيَهُودِ , وَالنَّصَارَى , وَالْمَجُوس , وَعَلَى الْمَشْهُورِينَ بِالْكَذِبِ , وَالْفِسْقِ , إلَّا الَّذِي جَعَلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ , وَعُثْمَانَ , وَعَلِيٍّ , وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ , وَأَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ , وَخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ وَسَائِرِ الْمُهَاجِرِينَ , وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: {أُولَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ} وَفِي هَذَا إبْطَالُ كُلِّ رَايٍ , وَكُلِّ قِيَاسٍ , وَكُلِّ احْتِيَاطٍ فِي الدِّينِ , مِمَّا لَمْ يَاتِ بِهِ نَصٌّ لَوْ أَنْصَفُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ. وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِآيَةِ الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ إنْ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إنَّا إذًا لَمِنْ الْآثِمِينَ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنْ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إنَّا إذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَاتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا} . وَذَكَرُوا خَبَرَ الْقَسَامَةِ إذْ {قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِبَنِي حَارِثَةَ فِي دَعْوَاهُمْ دَمَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ عَلَى يَهُودِ خَيْبَرَ يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ , قَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ كَيْفَ نَحْلِفُ؟ قَالَ: فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ} . وَذَكَرُوا وُجُوبَ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ , وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَكَمَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فَرَدَّ الْيَمِينَ عَلَى الطَّالِبِ مِنْ أَجْلِ شَاهِدِهِ , فَكَانَ الشَّاهِدُ سَبَبًا لِرَدِّ الْيَمِينِ , فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ النُّكُولُ مِنْ الْمَطْلُوبِ أَيْضًا سَبَبًا لِرَدِّ الْيَمِينِ وَلَمْ يَقْضِ لَهُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ حَتَّى يَضُمَّ إلَيْهِ يَمِينَهُ , فَيَقُومُ مَقَامَ شَاهِدٍ آخَرَ , كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْضَى لَهُ بِالنُّكُولِ حَتَّى يَضُمَّ إلَى ذَلِكَ يَمِينَهُ فَيَكُونَ نُكُولُ الْمَطْلُوبِ مَقَامَ شَاهِدٍ , وَيَمِينُ الطَّالِبِ مَقَامَ شَاهِدٍ آخَرَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا آيَةُ الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ فَحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ , وَإِنَّ احْتِجَاجَهُمْ بِهَا لَفَضِيحَةُ الدَّهْرِ عَلَيْهِمْ لِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ كَافِيَةٍ: أَحَدُهَا - أَنَّهُمْ لَا يَاخُذُونَ بِهَا فِيمَا جَاءَتْ فِيهِ , فَكَيْفَ يَسْتَحِلُّونَ الِاحْتِجَاجَ بِآيَةٍ هُمْ مُخَالِفُونَ لَهَا؟ وَالثَّانِي - أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مِنْ تَحْلِيفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ , وَلَا رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي كَلِمَةٌ , لَا بِنَصٍّ وَلَا بِدَلِيلٍ , إنَّمَا فِيهَا تَحْلِيفُ الشُّهُودِ أَوَّلًا , وَتَحْلِيفُ الشَّاهِدِ وَالشَّاهِدَيْنِ , بِخِلَافِ شَهَادَةِ الْأَوَّلِ , فَكَيْفَ سَهُلَ عَلَيْهِمْ إبْطَالُ نَصِّ الْآيَةِ , وَأَنْ يَحْكُمُوا مِنْهَا بِمَا لَيْسَ فِيهَا عَلَيْهِ , لَا دَلِيلٌ وَلَا نَصٌّ. إنَّ هَذِهِ لَمُصِيبَةٌ. وَلَوْ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ يَرَى تَحْلِيفَ الْمَشْهُودِ لَهُ مَعَ بَيِّنَتِهِ لَكَانَ أَشْبَهَ فِي التَّمْوِيهِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ , وَالْأَوْزَاعِيُّ , وَغَيْرِهِمَا - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشِيرٍ الْقَاضِي بِقُرْطُبَةَ أَنَّهُ أَحْلَفَ شُهُودًا فِي تَزَكِّيهِ: بِاَللَّهِ إنَّ مَا شَهِدُوا بِهِ لَحَقٌّ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ وَضَّاحٍ أَنَّهُ قَالَ: أَرَى لِفَسَادِ النَّاسِ أَنْ يُحَلِّفَ الْحَاكِمُ الشُّهُودَ , ذَكَرَ ذَلِكَ خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ فِي كِتَابِهِ فِي"أَخْبَارِ فُقَهَاءِ قُرْطُبَةَ"فَلَوْ احْتَجَّ أَهْلُ هَذَا الْمَذْهَبِ بِهَذِهِ الْآيَةِ لَكَانُوا أَوْلَى بِهَا مِمَّنْ احْتَجَّ فِي رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الطَّالِبِ , لَا سِيَّمَا مَعَ مَا فِي نَصِّهَا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَاتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا} وَلَكِنْ يُبْطِلُ هَذَا أَنَّهُ قِيَاسٌ , وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ , إلَّا أَنَّهُ مِنْ أَقْوَى قِيَاسٍ فِي الْأَرْضِ. وَأَمَّا حَدِيثُ الْقَسَامَةِ فَاحْتِجَاجُهُمْ بِهِ أَيْضًا إحْدَى فَضَائِحِهِمْ ; لِأَنَّ الْمَالِكِيِّينَ , وَالشَّافِعِيِّينَ مُخَالِفُونَ لِمَا فِيهِ: فَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ: فَخَالَفُوهُ جُمْلَةً. وَأَمَّا