بَعْضِ مُتَصَدِّرِيهِمْ بِالْجَهْلِ بِأَنْ قَالَ: وَأَيُّ ذَنْبٍ لِلْوَلَدِ حَتَّى يُسْتَرَقَّ؟ فَقُلْنَا: مَا عَلِمْنَا ذَنْبًا يُوجِبُ الِاسْتِرْقَاقَ , وَالرِّدَّةَ , وَقَتْلَ الْمُؤْمِنِ عَمْدًا , وَتْرُكَ الصَّلَاةِ , وَزِنَى الْمُحْصَنِ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ , وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يُوجِبُ اسْتِرْقَاقَ فَاعِلِهِ وَأَوْلَادُ الْكُفَّارِ يُسْتَرَقُّونَ وَلَا ذَنْبَ لَهُمْ فَلَيْسَ يَعْتَرِضُ بِمِثْلِ هَذَا الْهَوَسِ إلَّا مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ وَلَا دِينَ. وَأَمَّا إسْقَاطُنَا الْمَهْرَ فِي وَطْءِ الْغَاصِبِ , وَالْمُسْتَحِقِّ , فَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْهُ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ , وَمَالُ الْغَاصِبِ وَالْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ: حَرَامٌ , إلَّا مَا أَوْجَبَهُ النَّصُّ وَلَا مَهْرَ إلَّا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ , أَوْ لِلَّتِي نُكِحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَقَطْ - عَلَى مَا جَاءَ بِهِ النَّصُّ - وَإِنَّمَا عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا نَقَصَهُ وَطْؤُهُ إيَّاهَا بِزِنَى الْغَاصِبِ أَوْ بِجَهْلِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ فَقَطْ , لِأَنَّهُ اسْتَهْلَكَ بِذَلِكَ بَعْضَ قِيمَةِ أَمَةِ غَيْرِهِ فَقَطْ. وَأَمَّا الْقَضَاءُ بِالْمِثْلِ: فَإِنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ اخْتَلَفُوا , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُعْطَى إلَّا الْقِيمَةَ فِي كُلِّ شَيْءٍ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ فِيمَنْ اسْتَهْلَكَ حِنْطَةً أَنَّ لَهُ طَعَامًا مِثْلَ طَعَامِهِ , قَالَ سُفْيَانُ , وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ فُقَهَائِنَا: لَهُ الْقِيمَةُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ , وَمَالِكٌ: أَمَّا مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ مِنْ نَوْعِهِ , وَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْعُرُوضِ , وَالْحَيَوَانِ فَالْقِيمَةُ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: الْمِثْلُ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَلَا بُدَّ , فَإِنْ عُدِمَ الْمِثْلُ فَالْمَضْمُونُ لَهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُمْهِلَهُ حَتَّى يُوجَدَ الْمِثْلُ , وَبَيْنَ أَنْ يَاخُذَ الْقِيمَةَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ , وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ قَضَى بِالْقِيمَةِ حُجَّةً أَصْلًا إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ أَتَى بِطَامَّةٍ , فَقَالَ: {إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَضَى عَلَى مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ بِأَنْ يُقَوَّمَ عَلَيْهِ بَاقِيهِ لِشَرِيكِهِ , قَالُوا: فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى مَنْ اسْتَهْلَكَ حِصَّةَ غَيْرِهِ مِنْ الْعَبْدِ بِالْقِيمَةِ} . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا مِنْ عَجَائِبِهِمْ فَإِنَّهُمْ أَفْحَشُوا الْخَطَأَ فِي هَذَا الِاحْتِجَاجِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - احْتِجَاجُهُمْ بِهِ فِيمَنْ اسْتَهْلَكَ , وَالْمُعْتِقُ نَصِيبَهُ مِنْ عَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ لَمْ يَسْتَهْلِكْ شَيْئًا , وَلَا غَصَبَ شَيْئًا , وَلَا تَعَدَّى أَصْلًا , بَلْ أَعْتَقَ حِصَّتَهُ الَّتِي أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ عِتْقَهَا , وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْفَذَهُ لَا لِتَعَدٍّ مِنْ الْمُعْتَقِ أَصْلًا. وَالثَّانِي - عَظِيمٌ تَنَاقُضُهُمْ , لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ إنْ كَانَ الْمُعْتِقُ الْمَذْكُورُ مُسْتَهْلِكًا حِصَّةَ شَرِيكِهِ , وَلِذَلِكَ يَضْمَنُ الْقِيمَةَ بِأَنْ يُوجِبُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ مُعْسِرًا كَانَ أَوْ مُوسِرًا كَمَا يَفْعَلُونَ فِي كُلِّ مُسْتَهْلَكٍ وَهُمْ لَا يَفْعَلُونَ هَذَا فَكَيْفَ يَسْتَحِلُّ مَنْ يَدْرِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَائِلُهُ عَنْ كَلَامِهِ فِي الدِّينِ , وَأَنَّ عِبَادَ اللَّهِ تَعَالَى يَتَعَقَّبُونَ كَلَامَهُ عَلَى هَذِهِ الْمُجَاهَرَةِ الْقَبِيحَةِ الْفَاسِدَةِ مِنْ إحَالَةِ السُّنَنِ عَنْ مَوَاضِعِهَا وَسَعْيِهِمْ فِي إدْحَاضِ الْحَقِّ بِذَلِكَ؟ وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَدَّعُوا هَاهُنَا إجْمَاعًا , لِأَنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى , وَزُفَرَ بْنَ الْهُذَيْلِ يُضَمِّنُونَهُ مُعْسِرًا أَوْ مُوسِرًا , وَمَا نُبَالِي بِطَرْدِ هَذَيْنِ أَصْلُهُمَا فِي الْخَطَأِ , لِأَنَّهُمَا فِي ذَلِكَ مُخَالِفَانِ لِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَنَّهُ عليه السلام لَمْ يُضَمِّنْ الْمُعْسِرَ شَيْئًا , وَإِنَّمَا أَمَرَ فِي ذَلِكَ بِالِاسْتِسْعَاءِ لِلْمُعْتَقِ فَقَطْ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ قَالَ: سَمِعْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ {أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ أَهْدَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ وَيَوْمِهَا: جَفْنَةً مِنْ حَيْسٍ , فَقَامَتْ عَائِشَةُ فَأَخَذَتْ الْقَصْعَةَ فَضَرَبَتْ بِهَا الْأَرْضَ فَكَسَرَتْهَا , فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَى قَصْعَةٍ لَهَا فَدَفَعَهَا إلَى رَسُولِ زَيْنَبَ , فَقَالَ: هَذِهِ مَكَانُ صَحْفَتِهَا - وَقَالَ لِعَائِشَةَ: لَكِ الَّتِي كَسَرْتِ} فَهَذَا قَضَاءٌ بِالْمِثْلِ لَا بِالدَّرَاهِمِ بِالْقِيمَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ , وَابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُمَا