أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ". ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ , لِأَنَّهُ إنَّمَا جَاءَ فِيمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَاسْتَغَلَّهُ , ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَرَدَّهُ , فَكَانَ خَرَاجُهُ لَهُ - وَهَكَذَا نَقُولُ نَحْنُ , لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهُ مِلْكًا صَحِيحًا فَاسْتَغَلَّ مَالَهُ لَا مَالَ غَيْرِهِ , وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يُقَاسَ الْحَرَامُ عَلَى الْحَلَالِ , ثُمَّ لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا فَكَيْفَ وَهُوَ بَاطِلٌ كُلُّهُ؟ أَوْ أَنْ يَحْكُمَ لِلْبَاطِلِ بِحُكْمِ الْحَقِّ , وَلِلظَّالِمِ بِحُكْمِ مَنْ لَمْ يَظْلِمْ , فَهَذَا الْجَوْرُ وَالتَّعَدِّي لِحُدُودِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ عَلَى عُمُومِهِ لَكَانَ تَقْسِيمُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْغَاصِبِ وَبَيْنَ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ , وَبَيْنَ الْوَلَدِ وَبَيْنَ الْغَلَّةِ , وَبَيْنَ الْمَوْجُودِ وَالتَّأَلُّفِ بَاطِلًا مَقْطُوعًا بِهِ , لِأَنَّهُ لَا بِهَذَا الْخَبَرِ أَخَذَ , وَلَا بِالنُّصُوصِ الَّتِي قَدَّمْنَا أَخَذَ , بَلْ خَالَفَ كُلَّ ذَلِكَ , فَإِنَّمَا بَقِيَ الْكَلَامُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَنْ رَأَى الْغَلَّةَ وَالْوَلَدَ لِلْغَاصِبِ وَلِلْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ بِالضَّمَانِ فَقَطْ , فَالنُّصُوصُ الَّتِي ذَكَرْنَا تُوجِبُ مَا قُلْنَا. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الرِّوَايَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا عَبْدُ الْوَهَّابِ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ - نا أَيُّوبُ - هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ - عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ} . فَنَسْأَلُهُمْ عَمَّنْ صَارَ إلَيْهِ مَالُ أَحَدٍ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ أَعِرْقُ ظَالِمٍ هُوَ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا , خَالَفُوا الْقُرْآنَ , وَالسُّنَنَ , وَتَرَكُوا قَوْلَهُمْ , وَقَوْلَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ , وَلَزِمَهُمْ أَنْ لَا يَرُدُّوا عَلَى الْمُسْتَحِقِّ شَيْئًا , لِأَنَّهُ لَيْسَ بِيَدِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ , وَلَا بِيَدِ الْغَاصِبِ , وَالظَّالِمُ بِعِرْقِ ظَالِمٍ , وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عِرْقُ ظَالِمٍ فَهُوَ عِرْقُ حَقٍّ , إذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا. قَالَ تَعَالَى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالُ} وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا - وَإِنْ قَالُوا: بَلْ بِعِرْقِ ظَالِمٍ هُوَ بِيَدِهِ , لَزِمَهُمْ أَنْ لَا حَقَّ لَهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا سَرَى فِيهِ ذَلِكَ الْعِرْقُ. وَهَذَا فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَلَدِ وَبَيْنَ سَائِرِ الْغَلَّةِ: فَكَلَامٌ فِي غَايَةِ السُّخْفِ وَالْفَسَادِ , وَلَوْ عُكِسَ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُمْ مَا انْفَصَلُوا مِنْهُ. وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْأَوْلَادِ الْأَحْيَاءِ فَرَأَى رَدَّهُمْ , وَبَيْنَ الْمَوْتَى فَلَمْ يَرَ رَدَّهُمْ فَيُقَالُ لَهُمْ هَلْ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ كُلِّ مَا نَتَجَتْ الْأُمَّهَاتُ حِينَ الْوِلَادَةِ إلَى سَيِّدِهِمْ وَسَيِّدِ أُمِّهِمْ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا , لَزِمَهُمْ أَنْ لَا يَقْضُوا بِرَدِّهِمْ أَصْلًا أَحْيَاءً وُجِدُوا أَمْ أَمْوَاتًا. وَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ , قُلْنَا: فَسُقُوطُ وُجُوبِ رَدِّهِمْ بِمَوْتِهِمْ كَلَامٌ بَاطِلٌ لَا خَفَاءَ بِهِ. وَلَهُمْ فِي أَوْلَادِ الْمُسْتَحِقَّةِ مِمَّنْ اُسْتُحِقَّتْ عَلَيْهِ أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ: فَمَرَّةً قَالُوا: يَاخُذُهَا وَيَاخُذُ قِيمَةَ وَلَدِهَا , وَمَرَّةٌ قَالُوا: يَاخُذُهَا فَقَطْ , وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْوَلَدِ - لَا قِيمَةَ وَلَا غَيْرِهَا - وَمَرَّةً قَالُوا: يَاخُذُ قِيمَتَهَا وَقِيمَةَ وَلَدِهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ أَقْوَالٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ , وَنَسْأَلُهُمْ عَنْ هَؤُلَاءِ الْأَوْلَادِ هَلْ وَقَعَ عَلَيْهِمْ قَطُّ فِي أَوَّلِ خَلْقهمْ , أَوْ حِينَ وِلَادَتِهِمْ: مَلَكَ سَيِّدُ أُمِّهِمْ أَمْ لَمْ يَقَعْ لَهُ قَطُّ عَلَيْهِمْ مِلْكٌ؟ وَلَا ثَالِثَ لِهَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ؟ فَإِنْ قَالُوا: بَلْ قَدْ وَقَعَ عَلَيْهِمْ مِلْكُهُ؟ قُلْنَا: فَفِي أَيِّ دِينِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَجَدْتُمْ أَنْ تُجْبِرُوهُ عَلَى بَيْعِ عَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ بِلَا ضَرَرٍ كَانَ مِنْهُ إلَيْهِمْ؟ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ مَنْ تَزَوَّجَ أَمَةً فَاسْتُرِقَّ وَلَدُهُ مِنْهَا؟ فَهَلَّا أَجْبَرْتُمْ سَيِّدَهَا عَلَى قَبُولِ فَدَائِهِمْ فَإِنْ قَالُوا: عَلَى هَذَا دَخَلَ النَّاكِحُ لَمْ يَنْوِ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْنَا: فَكَانَ مَاذَا , وَمَا حُرِّمَتْ أَمْوَالُ النَّاسِ عَلَيْهِمْ بِنِيَّاتِ غَيْرِهِمْ فِيهَا , أَوْ أَيْنَ وَجَدْتُمْ هَذَا الْحُكْمَ؟ وَهَذَا مَا لَا سَبِيلَ إلَى وُجُودِهِ , وَإِذْ هُمْ فِي مِلْكِهِ فَهُمْ لَهُ بِلَا شَكٍّ. وَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَقَعْ مِلْكُهُ قَطُّ عَلَيْهِمْ؟ قُلْنَا: فَبِأَيِّ وَجْهٍ تَقْضُونَ لَهُ بِقِيمَتِهِمْ؟ وَهَذَا ظُلْمٌ لِأَبِيهِمْ بَيِّنٌ , وَإِيكَالٌ لِمَا لَهُ بِالْبَاطِلِ ,"