وقد قدمنا تأصيل الاختلاف وأسبابه المشروعة في حديثنا عن اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم ونضيف هنا: أن معرفة الاختلاف ضرورية للفقيه حتى يتسع صدره وينفسح أفقه.
فقد قال قتادة: من لم يعرف الاختلاف لم يشم أنفه الفقه.
وعن هشام بن عبيد الله الرازي: من لم يعرف اختلاف الفقهاء فليس بفقيه.
وعن عطاء: لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالمان باختلاف الناس.
وقال يحي بن سلام: لا ينبغي لمن لا يعرف الاختلاف أن يفتي ولا يجوز لمن لا يعلم الأقاويل أن يقول: هذا أحب أليّ.
إلى غير ذلك من الأقوال يراجع الشاطبي في الموافقات وقد عدَّ معرفة الاختلاف من المزايا التي على المجتهد أن يتصف بها.
إذا تقرر ما تقدم من جواز الاختلاف بين أهل الحق فاعلم أن هذا الاختلاف قد يكون سببًا للتيسير والتسهيل والتيسير مقصد من مقاصد الشريعة بنص الكتاب والسنة كما مر عن الشاطبي وغيره.
القول بالأخف:هذا قد يكون بين المذاهب وقد يكون بين الاحتمالات المتعارضة أماراتها وقد صار إليه بعضهم لقوله تعالى:"يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ"، وقوله:"وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ"وقوله - صلى الله عليه وسلم-"بُعثْتُ بالحَنِيفِيةِ السَّمْحَةِ".
وهذا يخالف الأخذ بالأقلِّ فإن هناك يشترط الاتفاق على الأقل ولا يشترط ذلك هاهنا وحاصله يرجع إلى أن الأصل في المضار المنع إذ الأخف منهما هو ذلك .
وقيل: يجب الأخذ بالأشق كما قيل هناك يجب الأخذ بالأكثر. ( الزركشي في البحر المحيط 4/340)
قال الطوفي في الترجيح عند تعارض الدليلين:
الثاني: يأخذ بأشد القولين لأن"الحق ثقيل مري والباطل خفيف وبي". كما يروى في الأثر وفي الحكمة: إذا ترددت بين أمرين فاجتنب أقربهما من هواك .
وروى الترمذي من حديث عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: مَا خُيِّرَ عَمَّارُ بَيْنَ أَمْرَيْنَ إلا اخْتَارَ أَشَدَّهُما. وفي لفظ:"أَرْشَدَهُما".
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب . ورواه أيضا النسائي وابن ماجه. فثبت بهذين اللفظين للحديث أن الرشد في الأخذ بالأشد .
الثالث: يأخذ بأخف القولين لعموم النصوص الدالة على التخفيف في الشريعة كقوله عز وجل"يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" [البقرة 185] .
وقوله"وما جعل عليكم في الدين من حرج" [الحج 78]
وقوله - صلى الله عليه وسلم-:"لا ضرر ولا ضرار". وقوله - صلى الله عليه وسلم:"بعثت بالحنيفية السمحة السهلة".
قال شيخنا المزني: من قواعد الشريعة أن يستدل بخفة أحد الأمرين المتعارضين على أن الصواب فيه أو كما قال .
قلت: وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ما خُيِّر بَيْنَ أَمْرَيْنِ إلاّ اخْتَار أَيْسَرَهُما مَا لَمْ يُكنْ إِثْمًا"."
قلتُ: والفرق بينه وبين عمار فيما حكينا عنه من الأخذ بأشد الأمور: أن عمارًا كان مكلفا محتاطًا لنفسه ودينه والنبي - صلى الله عليه وسلم- كان مُشرعا موسعًا على الناس لئلا يحرج أمته . وقال:"يَسُروا ولا تُعَسروا".
وقال لبعض أصحابه في سياق الإنكار عليه إن فيكم منكرين منفرين". ( شرح مختصر الروضة 3/669) "
وبناء على هذه القاعدة فقد رجحنا في قضايا الخلاف التيسير وسنذكر أمثلته في بحث الحاجة.
ثانيًا: قاعدة تغيير الفتوى بتغير الزمان:
كان لعمل أمير المؤمنين عمر نصيب كبير في تأصيل هذه القاعدة فمن ذلك أن عمر لم يعط المؤلفة قلوبهم مع وروده في القرآن ورأى أن عز الإسلام موجب لحرمانهم.
وكذلك إلغاؤه للنفي في حد الزاني البكر خوفًا من فتنة المحدود والتحاقه بدار الكفر لأن إيمان الناس يضعف مع الزمن.
وأمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه يأمر بالتقاط ضالة الإبل وبيعها وحفظ ثمنها لصاحبها كما رواه مالك رحمه الله تعالى عن ابن شهاب الزهري مع نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن التقاط ضالة الإبل وذلك لما رأى من فساد الأخلاق وخراب الذمم وورث تماضر الأسدية لمّا طلقها عبد الرحمن في مرض موته.
وأمير المؤمنين علي رضي الله عنه يضمن الصناع بعد أن كانت يد الصانع أمانة قائلا: لا يصلح الناس إلا ذاك.
ويقول الأستاذ صبحي المحمصاني مسجلا موقف الصحابة في كتابه"تراث الخلفاء": وقد أقروا مبدأ تغير الاجتهاد فتوسع عمر الفاروق بوجه خاص في الاجتهاد وفي تفسير النصوص بما يلائم حكمة التشريع وفلاح العباد ويناسب تطور الزمان والمكان وتقلبات الأحوال . وتعرض في ذلك ل مسائل عديدة منها المؤلفة قلوبهم والطلاق الثلاثي المتسرع وبيع أمهات الأولاد وعدم التغريب في الحدود وإعفاء السارق من القطع عام المجاعة وتطوير عقوبة التعزير تأديبًا وزجرًا للمذنبين والمجرمين وتحديد عاقلة الدية في القتل والجراح وتفصيل أمور ضريبة الخراج. (تراث الخلفاء الراشدين": 589) "
وقد روي عن عمر بن عبد العزيز قوله: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور.
وقد قال ابن رشد إن لله أحكامًا لم تكن أسبابها موجودة في الصدر الأول فإذا وجدت أسبابها ترتبت عليها أحكامها.