كما تطاول العلاقة بالآخر وإيجاد وسائل التعايش التي تجنب المسلم الذوبان الثقافي. وكذلك تحرسه من التقوقع والعزلة ليصبح في النهاية عضوًا فعالًا في المجتمع ممكنًا أسوة بنبي الله يوسف عليه السلام عندما خاطب ملك مصر بقوله:"اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم".
كل ذلك يحتاج إلى فقه نفس يوازن بين الدليل وبين الواقع مع ورع لا تشوبه وسوسة وجسارة لا ينغصها تهتك ولا جرأة.
وينقسم التأصيل لفقه الأقليات إلى مقاصد وقواعد:
القسم الأول: المقاصد:
أولًا: مقصد عام وهو المحافظة على الحياة الدينية للأقلية المسلمة على مستوى الفرد أو الجماعة.
ثانيًا: التطلع إلى نشر دعوة الإسلام في صفوف الأكثرية مع ما يستتبع ذلك من تمكين تدريجي للإسلام في الأرض.
ثالثًا: التأصيل لفقه العلاقة مع الغير في الواقع الحضاري والعالمي وهو أمر قد لا يختص بالأقلية لتداخل الأوضاع العالمية لإيجاد حالة من الثقة المتبادلة والقبول.
رابعًا: التأصيل لفقه الجماعة في حياة الأقلية بمعنى الانتقال من الحالة الفردية إلى الحالة الجماعية.
أما القواعد فإنها لا تعنى إحداث قواعد أصولية أو فقهية بقدر ما تعنى التركيز في الاتجاه البحثي على قواعد موجودة في الموروث الأصولي والفقهي أكثر التصاقًا وأقرب وشيجة بواقع الأقليات لتمحيصه من جديد واستكشاف إمكاناتها في التعامل مع أوضاع الأقليات.
القسم الثاني: قواعد كبرى تعتمد في فقه الأقليات:
ومن أبرز هذه القواعد: قاعدة التيسير ورفع الحرج، وتغير الفتوى بتغير الزمان، وتنزيل الحاجة منزلة الضرورة، والعرف، والنظر في المآلات، وقيام جماعة المسلمين مقام القاضي.
ونقتصر في هذه الحلقة على القاعدتين الأوليين:
أولًا: قاعدة التيسير ورفع الحرج وتجلياتها
قال الشاطبي: إن الشارع لم يقصد إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه والدليل على ذلك أمور:
أحدها: النصوص الدالة على ذلك كقوله تعالى:"وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَْغْلَالَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ" [الأعراف:157[ وقوله:"رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا"] البقرة: 286/2 [وفي الحديث:"قال الله تعالى قد فعلت"وفي الحديث:"بُعِثتُ بالحَنِيفية السمحة"، وحديث:"ما خُيِّرَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُما أَيْسَرُ من الآخَرِ إلاّ اخْتَار أَيْسَرَهُما مَا لَمْ يُكنْ إِثْمًا فَإنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ".
ولو كان قاصدًا للمشقة لما كان مريدًا لليسر ولا التخفيف ولكان مريدًا للحرج والعسر وذلك باطل.
والثاني: ما ثبت أيضًا من مشروعية الرخص وهو أمر مقطوع به ومما علم من دين الأمة ضرورة كرخص القصر والفطر والجمع وتناول المحرمات في الاضطرار ، فإن هذا نمط يدل قطعًا على مطلق رفع الحرج والمشقّة ، وكذلك ماجاء من النهي عن التعمق والتكلف والتسبب في الانقطاع عن دوام الأعمال.
ولو كان الشارع قاصدًا للمشقة في التكلف لما كان ثم ترخيص ولا تخفيف. (الموافقات:2/121-122) .
فالنصوص سالفة الذكر عامة في المشقّة بنوعيها الشديد والمتوسط ، وإذا فرضنا أن رفع الحرج مفقود فيه صيغة عموم فإنا نستفيده من نوازل متعددة خاصة مختلفة الجهات متفقة في أصل رفع الحرج كما إذا وجدنا التيمم شرع عند مشقة طلب الماء والصلاة قاعدًا عند مشقة طلب القيام ، والقصر والفطر في السفر ، والجمع بين الصلاتين في السفر والمرض والمطر ، والنطق بكلمة الكفر عند مشقة القتل.
وقد عبر العلماء بعبارات مختلفة عن أسباب رفع الحرج منها:
عموم البلوى:
وهو الحالة أو الحادثة التي تشمل كثيرًا من الناس ويتعذّر الاحتراز منها.
أو ما تمس الحاجة إليه في عموم الأحوال كنجاسة النعل والخف تطهر بالدلك.
الغلبة:
الغلبة تنزل منزلة الضرورة في إفادة الإباحة .
عسر الاحتراز:
ومعناها صعوبة التحفظ عن أمر وهي في العبادات وغيرها.
وعبّر عنه القرافي بالتعذر حيث قال:"المتعذر يسقط اعتباره والممكن يستصحب فيه التكليف".
وأما خليل فقد قال:"لا إن عسر الاحتراز منه".
وعفى عما يعسر كحدث مستنكح.
ويرى ابن تيمية ترك بعض المستحبات تأليفا قائلا: لان مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا كما ترك النبي صلى عليه وسلم تغيير بناء البيت لما في إبقائه من تأليف القلوب .
و أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر ثم صلى خلفه متما وقال: الخلاف شر. ( الفتاوى 22-407)
-العذر باختلاف العلماء:
عدم الإنكار في مسائل الاختلاف ومسائل الاجتهاد يقول ابن القيم: إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم تنكر على من عمل فيها مجتهدًا أو مقلدًا . ( إعلام الموقعين 3- 365)
ويقول العز بن عبد السلام: من أتى شيئا مختلفا في تحريمه إن اعتقد تحليله لم يجز الإنكار عليه إلا أن يكون مأخذ المحلل ضعيفًا ( قواعد الأحكام 1- 109) .