نعم ها هي ذي نهاية المطاف . . نكوصا عن الأرض المقدسة , وهو معهم على أبوابها . ونكولا عن ميثاق الله وهو مرتبط معهم بالميثاق . .
فماذا يصنع ? وبمن يستجير ?
(قال:رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي . فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين) . .
دعوة فيها الألم . وفيها الالتجاء . وفيها الاستسلام . وفيها - بعد ذلك - المفاصلة والحسم والتصميم !
وإنه ليعلم أن ربه يعلم أنه لا يملك إلا نفسه وأخاه . .
ولكن موسى في ضعف الإنسان المخذول . وفي إيمان النبي الكليم . وفي عزم المؤمن المستقيم , لا يجد متوجها إلا لله . يشكو له بثه ونجواه , ويطلب إليه الفرقة الفاصلة بينه وبين القوم الفاسقين . فما يربطه بهم شيء بعد النكول عن ميثاق الله الوثيق . .
ما يربطه بهم نسب . وما يربطه بهم تاريخ . وما يربطه بهم جهد سابق . إنما تربطه بهم هذه الدعوة إلى الله , وهذا الميثاق مع الله .
وقد فصلوه . فانبت ما بينه وبينهم إلى الأعماق . وما عاد يربطه بهم رباط . . إنه مستقيم على عهد الله وهم فاسقون . .
إنه مستمسك بميثاق الله وهم ناكصون . .
هذا هو أدب النبي . .
وهذه هي خطة المؤمن .
وهذه هي الآصرة التي يجتمع عليها أو يتفرق المؤمنون . .
لا جنس . لا نسب . لا قوم . لا لغة . لا تاريخ . لا وشيجة من كل وشائج الأرض ; إذا انقطعت وشيجة العقيدة ; وإذا اختلف المنهج والطريق . .
واستجاب الله لنبيه . وقضى بالجزاء العدل على الفاسقين .
(قال:فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض . فلا تأس على القوم الفاسقين) .
وهكذا أسلمهم الله - وهم على أبواب الأرض المقدسة - للتيه ; وحرم عليهم الأرض التي كتبها لهم . .
والأرجح أنه حرمها على هذا الجيل منهم حتى تنبت نابتة جديدة ; وحتى ينشأ جيل غير هذا الجيل . جيل يعتبر بالدرس , وينشأ في خشونة الصحراء وحريتها صلب العود . .
جيل غير هذا الجيل الذي أفسدة الذل والاستعباد والطغيان في مصر , فلم يعد يصلح لهذا الأمر الجليل !
والذل والاستعباد والطغيان يفسد فطرة الأفراد كما يفسد فطرة الشعوب .
ويتركهم السياق هنا - في التيه - لا يزيد على ذلك . .