فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 608

نعم ها هي ذي نهاية المطاف . . نكوصا عن الأرض المقدسة , وهو معهم على أبوابها . ونكولا عن ميثاق الله وهو مرتبط معهم بالميثاق . .

فماذا يصنع ? وبمن يستجير ?

(قال:رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي . فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين) . .

دعوة فيها الألم . وفيها الالتجاء . وفيها الاستسلام . وفيها - بعد ذلك - المفاصلة والحسم والتصميم !

وإنه ليعلم أن ربه يعلم أنه لا يملك إلا نفسه وأخاه . .

ولكن موسى في ضعف الإنسان المخذول . وفي إيمان النبي الكليم . وفي عزم المؤمن المستقيم , لا يجد متوجها إلا لله . يشكو له بثه ونجواه , ويطلب إليه الفرقة الفاصلة بينه وبين القوم الفاسقين . فما يربطه بهم شيء بعد النكول عن ميثاق الله الوثيق . .

ما يربطه بهم نسب . وما يربطه بهم تاريخ . وما يربطه بهم جهد سابق . إنما تربطه بهم هذه الدعوة إلى الله , وهذا الميثاق مع الله .

وقد فصلوه . فانبت ما بينه وبينهم إلى الأعماق . وما عاد يربطه بهم رباط . . إنه مستقيم على عهد الله وهم فاسقون . .

إنه مستمسك بميثاق الله وهم ناكصون . .

هذا هو أدب النبي . .

وهذه هي خطة المؤمن .

وهذه هي الآصرة التي يجتمع عليها أو يتفرق المؤمنون . .

لا جنس . لا نسب . لا قوم . لا لغة . لا تاريخ . لا وشيجة من كل وشائج الأرض ; إذا انقطعت وشيجة العقيدة ; وإذا اختلف المنهج والطريق . .

واستجاب الله لنبيه . وقضى بالجزاء العدل على الفاسقين .

(قال:فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض . فلا تأس على القوم الفاسقين) .

وهكذا أسلمهم الله - وهم على أبواب الأرض المقدسة - للتيه ; وحرم عليهم الأرض التي كتبها لهم . .

والأرجح أنه حرمها على هذا الجيل منهم حتى تنبت نابتة جديدة ; وحتى ينشأ جيل غير هذا الجيل . جيل يعتبر بالدرس , وينشأ في خشونة الصحراء وحريتها صلب العود . .

جيل غير هذا الجيل الذي أفسدة الذل والاستعباد والطغيان في مصر , فلم يعد يصلح لهذا الأمر الجليل !

والذل والاستعباد والطغيان يفسد فطرة الأفراد كما يفسد فطرة الشعوب .

ويتركهم السياق هنا - في التيه - لا يزيد على ذلك . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت