(قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما:ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون . وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) . هنا تبرز قيمة الإيمان بالله , والخوف منه . .
فهذان رجلان من الذين يخافون الله , ينشيء لهما الخوف من الله استهانة بالجبارين !
ويرزقهما شجاعة في وجه الخطر الموهوم ! وهذان هما يشهدان بقولتهما هذه بقيمة الإيمان في ساعة الشدة ; وقيمة الخوف من الله في مواطن الخوف من الناس . فالله سبحانه لا يجمع في قلب واحد بين مخافتين:مخافته - جل جلاله - ومخافة الناس . . والذي يخاف الله لا يخاف أحدا بعده ; ولا يخاف شيئا سواه . .
(ادخلوا عليهم الباب . فإذا دخلتموه فإنكم غالبون) . . قاعدة في علم القلوب وفي علم الحروب . .
أقدموا واقتحموا . فمتى دخلتم على القوم في عقر دارهم انكسرت قلوبهم بقدر ما تقوى قلوبكم ; وشعروا بالهزيمة في أرواحهم وكتب لكم الغلب عليهم . .
(وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) . . فعلى الله - وحده - يتوكل المؤمن . وهذه هي خاصية الإيمان وعلامته ; وهذا هو منطق الإيمان ومقتضاه . .
ولكن لمن يقولان هذا الكلام ? لبني إسرائيل ?!
(قالوا:يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها . فاذهب أنت وربك فقاتلا . إنا هاهنا قاعدون) . .
وهكذا يحرج الجبناء فيتوقحون ; ويفزعون من الخطر أمامهم فيرفسون بأرجلهم كالحمر ولا يقدمون !
والجبن والتوقح ليسا متناقضين ولا متباعدين ; بل إنهما لصنوان في كثير من الأحيان . يدفع الجبان إلى الواجب فيجبن . فيحرج بأنه ناكل عن الواجب , فيسب هذا الواجب ; ويتوقح على دعوته التي تكلفه ما لا يريد !
اذهب أنت وربك فقاتلا . إنا هاهنا قاعدون . .
هكذا في وقاحة العاجز , الذي لا تكلفه وقاحة اللسان إلا مد اللسان ! أما النهوض بالواجب فيكلفه وخز السنان !
(فاذهب أنت وربك) ! . .
فليس بربهم إذا كانت ربوبيته ستكلفهم القتال ! هاهنا قاعدون . .
لا نريد ملكا , ولا نريد عزا , ولا نريد أرض الميعاد . .
ودونها لقاء الجبارين !
هذه هي نهاية المطاف بموسى عليه السلام . نهاية الجهد الجهيد . والسفر الطويل . واحتمال الرذالات والانحرافات والالتواءات من بني إسرائيل !