وإن للّه شريعةً ومنهاجًا للحياة ، تقوم على قواعدَ وموازينض وقيمَ وتصورٍ خاصٍّ للوجود كله وللحياة. ونصر اللّه يتحقق بنصرة شريعته ومنهاجه ، ومحاولة تحكيمها في الحياة كلها بدون استثناء ، فهذا نصرُ اللّه في واقع الحياة.
ونقف لحظة أمام قوله تعالى: «وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .. وقوله: «إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ» ..وفى كلتا الحالتين. حالة القتل. وحالة النصرة. يشترط أن يكون هذا للّه وفي سبيل اللّه. وهي لفتة بديهية ، ولكن كثيرا من الغبش يغطي عليها عند ما تنحرف العقيدة في بعض الأجيال. وعند ما تمتهن كلمات الشهادة والشهداء والجهاد وترخص ، وتنحرف عن معناها الوحيد القويم.
إنه لا جهاد ، ولا شهادة ، ولا جنة ، إلا حين يكون الجهاد في سبيل اللّه وحده ، والموت في سبيله وحده ، والنصرة له وحده ، في ذات النفس وفي منهج الحياة.
لا جهاد ولا شهادة ولا جنة إلا حين يكون الهدفُ هو أن تكون كلمة اللّه هي العليا. وأن تهيمن شريعته ومنهاجه في ضمائر الناس وأخلاقهم وسلوكهم ، وفي أوضاعهم وتشريعهم ونظامهم على السواء.
وليس هنالك من راية أخرى ، أو هدف آخر ، يجاهد في سبيله من يجاهد ، ويستشهد دونه من يستشهد ، فيحقُّ له وعد اللّه بالجنة. إلا تلك الراية وإلا هذا الهدف. من كل ما يروج في الأجيال المنحرفة التصور من رايات وأسماء وغايات!
ويحسن أن يدرك أصحاب الدعوة هذه اللفتة البديهية ، وأن يخلصوها في نفوسهم من الشوائب التي تعلق بها من منطق البيئة وتصور الأجيال المنحرفة ، وألا يلبسوا برايتهم راية ، ولا يخلطوا بتصورهم تصورا غريبا على ضيعة العقيدة.
لا جهاد إلا لتكون كلمة اللّه هي العليا. العليا في النفس والضمير. والعليا في الخلق والسلوك. والعليا في الأوضاع والنظم. والعليا في العلاقات والارتباطات في كل أنحاء الحياة. وما عدا هذا فليس للّه. ولكن للشيطان. وفيما عدا هذا ليست هناك شهادة ولا استشهاد. وفيما عدا هذا ليس هنالك جنة ولا نصر من عند اللّه ولا تثبيت للأقدام. وإنما هو الغبش وسوء التصور والانحراف.