ثقتهم فيه ، وصبرهم على بلائه ، وإخلاصهم أنفسهم له ، واستعدادهم لقبول قضائه وقدره .. ويخسر الآخرة وما فيها من نعيم وقربى ورضوان. فيا له من خسران! وإلى أين يتجه هذا الذي يعبد اللّه على حرف؟ إلى أين يتجه بعيدا عن اللّه؟ إنه «يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ» .. يدعو صنما أو وثنا على طريقة الجاهلية الأولى. ويدعو شخصا أو جهة أو مصلحة على طريقة الجاهليات المتناثرة في كل زمان ومكان ، كلما انحرف الناس عن الاتجاه إلى اللّه وحده ، والسير على صراطه ونهجه .. فما هذا كله؟ إنه الضلال عن المتجه الوحيد الذي يجدي فيه الدعاء: «ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ» المغرق في البعد عن الهدى والاهتداء .. «يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ» من وثن أو شيطان ، أو سند من بني الإنسان .. وهذا كله لا يملك ضرا ولا نفعا وهو أقرب لأن ينشأ عنه الضر. وضره أقرب من نفعه. ضره في عالم الضمير بتوزيع القلب ، وإثقاله بالوهم وإثقاله بالذل. وضره في عالم الواقع وكفى بما يعقبه في الآخرة من ضلال وخسران «لَبِئْسَ الْمَوْلى » ذلك الضعيف لا سلطان له في ضر أو نفع «وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ» ذلك الذي ينشأ عنه الخسران. يستوي في ذلك المولى والعشير من الأصنام والأوثان ، والمولى والعشير من بني الإنسان ، ممن يتخذهم بعض الناس آلهة أو أشباه آلهة في كل زمان ومكان! واللّه يدخر للمؤمنين به ما هو خير من عرض الحياة الدنيا كله ، حتى لو خسروا ذلك العرض كله في الفتنة والابتلاء: «إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ. إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ» ..فمن مسه الضر في فتنة من الفتن ، وفي ابتلاء من الابتلاءات ، فليثبت ولا يتزعزع ، وليستبق ثقته برحمة اللّه وعونه ، وقدرته على كشف الضراء ، وعلى العوض والجزاء. [1] وعَنْ جَابِرٍ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَخَطَّ خَطًّا هَكَذَا أَمَامَهُ فَقَالَ « هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » . وَخَطَّيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَخَطَّيْنِ عَنْ شِمَالِهِ قَالَ « هَذِهِ سُبُلُ الشَّيْطَانِ » . ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ فِى الْخَطِّ الأَوْسَطِ ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 2412)