يضعفوا ـ وباعد بينهم وبين النصر المرجوّ على عدوهم .. فهم في هذا الدعاء يضرعون إلى اللّه أن يغفر لهم ذنوبهم ، وأن يتجاوز عن سيئاتهم ، فإذا استجاب اللّه لهم ذلك ، طهرت نفوسهم ، واستقامت طريقهم إلى اللّه ، واشتد قربهم منه ، وكان لهم أن يطلبوا إلى اللّه أن يثبت أقدامهم ، وأن يمسك بهم على هذا الطريق الذي استقاموا عليه ..
وهذه الحال التي تنكشف عن موقف المؤمنين من أتباع الرسل تلقى على المؤمنين الذين شهدوا أحدا ظلالا من الاتهام ، واللّوم ، والعتاب ، لما وقع في نفوس بعضهم ، وما جرى على ألسنة بعض آخر .. من وساوس الشك والريبة ..فقال قائل: « أَنَّى هذا ؟ » (165: آل عمران) وقال آخرون: « لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا » (154: آل عمران) .. لقد نظر هؤلاء وأولئك إلى غير ما كان ينبغى أن ينظروا إليه .. لقد نظروا إلى غيرهم ، وألقوا باللائمة عليه .. ولم ينظروا إلى أنفسهم ليبحثوا عما وقع فيها من خلل ، كما كان يفعل المؤمنين قبلهم من أتباع الرسل ، حين تنزل بهم الشدائد ، وتتوالى عليهم المحن.
وفى قوله تعالى: « فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » مشهد كريم ، يعرض على أنظار المسلمين ، لمن آمن باللّه واستقام على طريقة ، حتى إذا استشعر أن يد اللّه قد تراخت عنه ، اتّهم نفسه ، وأيقن أن خللا وقع في صلته باللّه ، فبادر فأصلحه ، وصالح اللّه ، فوجد العفو والمغفرة ، ثم أصاب النصر والظفر ..
وهؤلاء المؤمنون الذين جاهدوا مع رسل اللّه ، وكان شأنهم عند اشتداد المحن ، وقسوة البلاء ، العودة إلى اللّه بإصلاح أنفسهم ـ هؤلاء قد أعزّهم اللّه في الدنيا ، فكتب لهم النصر على عدوهم ، وأجزل لهم المثوبة والرضوان في الآخرة ، لما كان منهم من صبر على البلاء ، وثبات في وجه الموت." [1] "
لقد كانت الهزيمة في «أحد» ، هي أول هزيمة تصدم المسلمين ، الذين نصرهم اللّه ببدر وهم ضعاف قليل فكأنما وقر في نفوسهم أن النصر في كل موقعة هو السنة الكونية. فلما أن صدمتهم أحد ، فوجئوا بالابتلاء كأنهم لا ينتظرونه! ولعله لهذا طال الحديث حول
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (2 / 608)