وقال تعالى: { وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ } آل عمران:146 .
قال الخطيب:"فى الآيات السابقة كان من اللّه ، هذا العتاب الرفيق ، الذي يحمل الإعتاب والرضا ، ويسوق الإحسان والرحمة ، ويبعث في صدور المسلمين دفء الأمل بالنصر للإسلام ، والإعزاز للمسلمين ، فيجدون في هذا كلّه العزاء الجميل لما أصابهم من جراح ، في أجسامهم ، ولما وقع في نفوسهم من مرارة الهزيمة ، وعلوّ يد الكافرين عليهم في هذه المعركة ، معركة أحد .."
وهنا ، في قوله تعالى « وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ » صورة اخرى من صور العزاء والتّسرية عن المسلمين ، بما تحمل إليهم كلمات اللّه من مواقف الإيمان والصّبر ، للمؤمنين في الأمم التي خلت ، ممن صدّق الرسل وجاهد في سبيل اللّه.
والربّيون: جمع ربّىّ ، وهو من آمن باللّه ، وأضاف نفسه إلى ربّه ، متوكلا عليه ، مستقيما على صراطه.
فكثير من هؤلاء المؤمنين من أتباع الرسل ، كانوا مع الأنبياء مجاهدين في سبيل اللّه ، لم يهنوا ولم يضعفوا ، مهما نزل بهم من شدائد أو وقع عليهم من بلاء. وهؤلاء هم ممّن يحبّهم اللّه ويوسع لهم في منازل رضوانه ورحمته:
« وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ » وفى قوله تعالى: « وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ » إشارة إلى ما ينبغى أن يكون عليه موقف المجاهدين الصابرين ، حين يكربهم الكرب ، ويشتدّ بهم البلاء .. لا يذكرون غير اللّه ، ولا يلتفتون إلا إليه ، طالبين عفوه ومغفرته ، وتثبيت أقدامهم في موطن الجهاد ، حتى لا تنزع بهم نفوسهم إلى أن يولوا الأدبار ، وأن يطلبوا السلامة والنجاة.
وفى طلبهم أن يغفر اللّه لهم ذنوبهم ، وإسرافهم في أمرهم ـ أي خروجهم عن سواء السبيل في بعض أحوالهم ـ في طلبهم هذا ، وفى جعله مفتتح دعائهم ، اعتراف ضمنىّ بأن شيئا ما دخل على إيمانهم ، فأدخل الوهن والضعف عليهم ـ وإن لم يهنوا ولم