فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 381

وفى تعدية الفعل « يُخالِفُونَ » بحرف الجر « عَنْ » مع أنه فعل يتعدى بنفسه .. إشارة إلى أن هذا الفعل قد ضمن معنى « الخروج » ، فهو مخالفة ، وخروج معا ، إذ قد تكون المخالفة في الرأى ، ثم يكون الامتثال بالعمل ..

وهؤلاء المخالفون الذين يتوعدهم اللّه إنما جمعوا بين المخالفة في الرأى ، والخروج عليه قولا وعملا ..

وهذا يشير إلى أن مراجعة الرسول ، فيما يأمر به ، مما لم يستبن للمسلم منه الحجة الواضحة والدليل المقنع ـ هذه المراجعة ، بل المعارضة أحيانا لا حرج منها ، إذ كانت غايتها هى وضوح الرؤية ، وانكشاف الطريق ، لعينى المؤمن ، حتى يكون على بينة من أمره ، وحتى يمتثل ما يؤمر به ، وهو على هدى وبصيرة ، واقتناع ..

فدعوة الإسلام دعوة قائمة على العدل ، مستندة إلى الحجة والبرهان ..ومن ثمّ كان على المسلم أن يعرض أمور دينه كلها على عقله ، وأن يلتمس الدليل المقنع ، والحجة القاطعة في كل أمر .. فإذا لم يسعفه عقله بالدليل ، وجب عليه امتثال ما يؤمر به ، مع اليقين بأنه هو الحق ، والخير .. إذ ليس العقل إلا حاسّة من الحواس العاملة في الإنسان ، وشأنه شأن كل حاسّة في أن له حدودا يعمل فيها ، وأنه إذا جاوز هذه الحدود بطل عمله ..

وفى سيرة الرسول ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ مع صحابته رضوان اللّه عليهم ، كثير من المواقف ، التي يلقى فيها الصحابة رسول اللّه ـ في أدب رائع واحترام عظيم ـ معترضين أو مخالفين ، حتى إذا كشف لهم الرسول ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ عن وجه الأمر ، أو أراهم من نفسه أنه ماض لم أمرهم به ، لم يكن لأحد منهم إلا السمع والطاعة ، في إيمان ثابت ويقين مكين ..

وتذكر هنا ـ من باب الإشارة ـ ما كان من الحباب بن المنذر بن الجموح ، حين رأى النبىّ ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ وقد أنزل المسلمين منزلا في غزوة بدر ، فلما لم يره الحباب بالمنزل المناسب للمسلمين ، جاء إلى رسول اللّه يسأله قائلا: يا رسول اللّه .. أهو منزل أنزلكه اللّه ، فليس لنا أن نتحول عنه ، أم هو الرأى والمكيدة والحرب ؟ فقال صلوات اللّه وسلامه عليه: « بل هو الرأى والمكيدة والحرب » .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت