الجزيلة ورضي بالكفاف مع مزية العفاف فباء بالثناء المخلد ولسان الصدق المؤبد وكان شديد التمسك
بأحكام دينه متبصرا في اعتقاده ويقينه صافي الاعتقاد مما يؤخذ عليه بالانتقاد يرى الإسلام دين
الدهر لا تنقضي أيامه ولا تقصر عن مصالح أحكامه يتفق مع أصول المدينة وينهض بالأمم في
جميع مراتب الإنسانية لا ينافي حقيقة قطع بها البرهان ولا يأبى لأهله تحلية الأذهان بالوقوف علىأسرار عالم الإمكان بل يسوقهم إلى البحث في كل كائن كان توصلا إلى أدراك الحقائق على قدر
الإمكان فكان رحمه الله مع الشدة في دينه ميالا للنظر فيما كشفه المتأخرون وانتهى إليه في بحثهم
الناظرون داعيا إلى التفنن في المعارف الجديدة حاثا على إحراز فوائدها العديدة يرشدك إلى ما نقول
ما كتبه في حركة الأرض وبعض مسائل فلكية فقد ذهب فيه إلى تطبيق ما انتهى إليه النظر على ما
جاء في الكتاب والسنة وصحيح الأثر فكان يذهب إلى أن كل كمال حقيقي يرجع عنده إلى أصل
ديني فدينه مع صحته يسع كل كمال بالغا ما بلغ من غايته غير أنه كان لا يستحسن تقليد الأوروبيين
في غير الفضائل ولا يجد مزية لتغيير العوائد بما ليس تحته طائل بل كان يقول ما احتجنا إليه
أخذناه وما استغنينا عنه تركناه وما يتفق مع مصالحنا الحقيقية نأخذه وما يفسد من ملكاتنا وأخلاقنا
ننبذه وفي مقاله رحمه الله مما يؤيد رأيه هذا شيء كثير وبيان شهير.
وكان رحمه الله رؤوفا رحيما بارا كريما سلس الأخلاق لين الجانب لطيف المحاضرة بعيدا عن
المعاسرة قريبا إلى المياسرة ينتصف من نفسه في الحق ولا ينصرها في الباطل لا يأبى أن يقول
أخطأت متى أقنع ولا يخشى إذا ظهر له خلاف رأيه أن يرجع فكان الحق أميره والهوى أسره يأتمر
لذلك في كل أمره ويخضع هذا السلطان قهره وكان صادق اللهجة لا ينطق بكلمة حتى تكون لها في
نفسه حقيقة واقعة.
وبالجملة فكانت له صفات تجمع من الفضائل ما يندر في غيره وقد كانت البلاد في أشد الحاجة إليه