وكلهم يدعي عبادة الله لا طمعًا في الجنة ولا خوفًا من النار، وقد يظن المسلم في عصرنا الحاضر أن هذه العقيدة عقيدة سامية، ولكنها عقيدة غير صحيحة إذ هي مخالفة لعقيدة الكتاب والسنة. فقد وصف الله حال الأنبياء في عبادتهم وتقربهم ودعائهم بأنهم كانوا {ويدعوننا رغبًا ورهبًا وكانوا لنا خاشعين } (1) والرغب هو الطمع في فضل الله وجنته، والرهب هو الخوف من عقابه، والأنبياء هم أكمل الناس عقيدة وإيمانًا وحالًا.
وكذلك وصف تبارك وتعالى أكمل المؤمنين إيمانًا بقوله تعالى: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكّروا بها خروا سجدًا وسبّحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون* تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا وممّا رزقناهم ينفقون* فلا تعلم نفسٌ مّا أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } (2) فهؤلاء الذين ادخر الله لهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر لا شك أنهم أكمل الناس إيمانًا، ومع ذلك فهم يدعون ربهم خوفًا وطمعًا، خوفًا من عذابه وطمعًا في جنته. وآيات القرآن في هذا المعنى لا تحصى كثرة. وأما السنة فلا حصر للأحاديث في ذلك، ومن أبلغها في الدّلالة على هذا الأمر قول أحد الأعراب للنبي - صلى الله عليه وسلم: والله إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، وإنما أقول: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار؛ فقال - صلى الله عليه وسلم: [حولها ندندن] (3) ، فإذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدندن بدعائه حول الجنة، فهل يتصور عقلًا وجود رجل أو امرأة أكمل منه - صلى الله عليه وسلم - فيدعو الله ويعبده لا طمعًا في جنته ولا خوفًا من نار؟.
(1) الأنبياء:90
(2) السجدة:15-17
(3) رواه أبو داود (792 و793) وابن ماجة (910) وأحمد (3/474 و5/74) وابن خزيمة، وصحح إسناده الألباني في (صفة الصلاة-202)