اختلافه لا سبيل لنا على الاحتجاج عليه كما لنا السبيل إلى الاجتماع على ملة إبراهيم [[1] ]،"ويؤول الطبري {ملة إبراهيم حنيفًا} فيقول:"والملة: الدين وأما الحنيف فإنه المستقيم من كل شيء وقد قيل أن الرجل الذي تقبل إحدى قدميه على الأخرى إنما قيل له أحنف نظرًا إلى السلامة كما قيل للمهلكة من البلاد المفازة بمعنى الفوز بالنجاة منها والسلامة وكما قيل للَّدِيغ السليم تفاؤلًا بالسلامة من الهلاك وما أشبه ذلك فمعنى الكلام إذا قيل: يا محمد بل نتبع ملة إبراهيم مستقيمًا فيكون الحنيف حينئذ ما لا عن إبراهيم وأما أهل التأويل فإنهم اختلفوا في تأويل ذلك فقال بعضهم: الحنيف الحاج، وقيل: إنما سمي دين إبراهيم الإسلام الحنيفية السمحة لأنه أول إمام لزم العباد -الذين كانوا في عصره والذين جاؤوا بعده إلى يوم القيامة- اتباعه في مناسك الحج والائتمام به فيه قال: فكل من حج البيت فنسك مناسك إبراهيم على ملته فهو حنيف مسلم على دين إبراهيم [[2] ]، وفسر الإمام القرطبي هذه الآية قائلًا:"دعت كل فرقة إلى ما هي عليه، فرد الله ذلك عليهم فقال: {بل ملة} ، أي قل يا محمد: بل نتبع ملة، فلهذا نصب الملة، وقيل: بل نهتدي بملة إبراهيم، فلما حذف حرف الجر صار منصوبًا وقرأ الأعرج وابن أبي عبلة: بل (ملة) بالرفع والتقدير بل الهدى ملة، أو قلنا دين إبراهيم. وحنيفًا مائلًا عن الأديان المكروهة إلى الحق دين إبراهيم وهو في موضع نصب على الحال قال الزجاج أي بل نتبع ملة إبراهيم خطأ، وسمي إبراهيم حنيفًا لأنه حنف إلى دين الله وهو الإسلام والحيف الميل [[3] ]، وقال النسفي في هذه الآية:"تعرض بأهل الكتاب وغيرهم لأن كل ملأ منهم يدعي اتباع ملة إبراهيم وهو على الشرك" [[4] ]، وللرازي نظرة أخرى في هذه الآية { .. ملة إبراهيم حنيفًا} . قال الرازي:"... وهذا التفسير منه لطيفة كأن الله سبحانه أعلم أن التقليد مسئول على الطباع لم يستخر منعه عن التقليد بالكلية ولم يستخر التعويل على التقليد بالكلية ولم يستخر التعويل على التقليد أيضًا بالكلية فلا جرم ذكر قومًا (جمع الحلف بالكلية على تزكيهم وهو إبراهيم ومن معه فقال: {قد كان لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه} فكأنه تعالى قال:"إن كنت مقلدًا أحدًا في دينه فكن مقلدًا إبراهيم حيث تبدأ من الأصنام وهذا عنيد عجيب فقد تبدأ من الأصنام وهذا غير عجيب فقد تبدأ من نفسه حين أسلمها إلى النيران ومن ماله حين بذله للضيفان وفي ولده حين بذله للقربان بل روي أنه سمع: سبوح قدوس، فاستطابه ولم"
(1) - جامع البيان: الطبري، 1/ 440.
(2) - تفسير الطبري، مج1/ 441.
(3) - انظر: تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) ، مج2/ 95.
(4) - تفسير النسفي 1/ 77.