إن الناظر إلى واقعنا الحاضر ، يرى أنواعًا من التعلق بالشهوات والافتتان بها ، فما أكثر المسلمين الذين أشربوا حب الشهوات من النساء والأموال ، والملبوسات والمركوبات ، والمناصب والرياسات ، والولع بالألعاب والملاهي ، قال تعالى: { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ } [ آل عمران14] .
زُيِّّن للناس حبُّ الشهوات من النساء والبنين , والأموال الكثيرة من الذهب والفضة , والخيل الحسان , والأنعام من الإبل والبقر والغنم , والأرض المتَّخَذة للغراس والزراعة ، حتى انهمك الناس في بحار الشهوات ، وتاهوا في أودية الملذات ، وكل ذلك زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية ، والله عنده حسن المرجع والثواب , وهو الجنَّة الباقية .
فالمسلك العدل إزاء الشهوات هو المسلك الوسط ، لأننا أمة وسطًا: بين أهل الفجور ، وأصحاب الرهبانية ؛ فأهل الفجور أضاعوا الصلاة ، واتبعوا الشهوات ؛ وأهل الرهبانية ، حرّموا ما أحل الله من الطيبات ، ودين الله يراعي أحوال الناس ، ويدرك ما هم عليه من الغرائز والشهوات ؛ لذا فهو يبيحها ويعترف بها ، لكنه يضبطها ويهذبها .
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:"لما كان العبد لا ينفك عن الهوى ما دام حيًا فإن هواه لازم له كان الأمر بخروجه عن الهوى بالكلية كالممتنع ، ولكن المقدور له والمأمور به أن يصرف هواه عن مراتع الهَلَكة ، إلى مواطن الأمن والسلامة ؛ مثاله: أن الله لم يأمره بصرف قلبه عن هوى النساء جملة ؛ بل أمره بصرف ذلك إلى نكاح ما طاب له منهن من واحدة إلى أربع ، ومن الإماء ما شاء ، فانصرف مجرى الهوى من محل إلى محل ، وكانت الريح دبورًا فاستحالت صبًا" [ روضة المحبين 11] .