ومع هذا فليس الافتتاح بـ: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] بمعين أن تكون مكية، وإنما قال ابن عباس: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] يراد به المشركون؛ ولذا فيجوز أن يوجه الخطاب به إلى المشركين في المدينة في أول مدة حلول النبي"بها؛ فإن قوله: [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ] يناسب أنه نزل بالمدينة حيث صد المشركون النبي والمؤمنين عن البقاء معهم بمكة."
وكذلك قوله: [أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ] فإنه صريح في أنه نزل في شأن الهجرة. 17/180_181
6_ ومن أغراض هذه السورة: خطابُ الناسِ بأمرهم أن يتقوا الله، ويخشوا يومَ الجزاءِ وأهوالَه.
والاستدلالُ على نفي الشرك، وخطابُ المشركين بأن يُقلعوا عن المكابرة في الاعتراف بانفراد الله _تعالى_ بالإلهية وعن المجادلة في ذلك؛ اتباعًا لوساوس الشياطينِ، وأن الشياطينَ لا تغني عنهم شيئًا، ولا ينصرونهم في الدنيا وفي الآخرة.
وتفظيعُ جدالِ المشركين في الوحدانية بأنهم لا يستندون إلى علم وأنهم يُعرضون عن الحُجة؛ ليضلوا الناس.
وأنهم يرتابون في البعث وهو ثابتٌ لا رِيْبَةَ فيه، وكيف يرتابون فيه بِعِلَّةِ استحالةِ الإحياءِ بعد الإماتة؟ ولا ينظرون أن اللهَ أوجد الإنسانَ من تراب، ثم من نطفة، ثم طوَّره أطوارًا.
وأن اللهَ ينزلُ الماءَ على الأرض الهامدةِ، فتحيا، وتُخْرِجُ من أصناف النبات؛ فالله هو القادرُ على كلِّ ذلك؛ فهو يحيي الموتى، وهو على كل شيء قدير.
وأن مجادلتَهم بإنكار البعث صادرةٌ عن جهالة وتكبر عن الامتثال لقول الرسول _عليه الصلاة والسلام_.
وَوَصْفُ المشركين بأنهم في تردد من أمرهم في اتباع دين الإسلام.