* قلوب عاشقة *
يا فتى الإسلام: هل تريدنا نحلق أخرى مع أنفس تعلقت بالمال حتى باعت دينها و أسكتت به عن كلمة الحق أو أنفس تعلقت بالحب الزائف والغرام القاتل؟ كلا بل نعيش مع أنفس تعلقت بالبيت الحرام وقلوب عشقت الطواف ودمعات طالما سُكبت في الحطيم وخلف المقام أصبحت كما يقال حمامة من حمام الحرم وعمودًا من أعمدتها وزهرة من زهرها وريحانة من ريحانها فأولهم صفوة الخلق و سيد البشر - صلى الله عليه وسلم - تعلق قلبه بالبيت وحينما اشتد أذى قريش له وضاقت به الأرض وأذن له بالهجرة فخرج منها وهو يحمل اللوعة بين ضلوعه فلما عاد إليها ودخلها وقف على الحزورة وقال بكل حزن وأسى: (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ماخرجت) رواه الترمذي وقال: (ما أطيبك من بلد وأحبك إلي ولولا أن قومي أخرجوني منك ماسكنت غيرك) رواه الترمذي.
محمد بن أحمد الحجازي كان جميل المعاشرة و يلقب بحمامة الحرم (34) وكان محمد بن علي البغدادي يسمى سراج الحرم (35) لشدة حبهم الحرم وتعلقهم به وجلوسهم فيه وكانت عادة الصالحين وعباد الله العارفين إذا دخلوا البيت دخلوه وقد علاهم الذل والانكسار والمهابة والإجلال.
وقد حكي عن امرأة دخلت مكة فجعلت تقول: أين بيت ربي؟ فقيل الآن ترينه، فلما لاح البيت قيل لها: هذا بيت ربك. فاشتدت نحوه فألصقت جبينها بحائط البيت فما رفعت إلا ميتة وأن الشبلي رحمه الله: غشي عليه عند رؤية الكعبة ثم أفاق فأنشد:
هذه دارهم وأنت محب ... ما بقاء الدموع في الآماق (36)
نطقت مدامعه بسر ضميره ... وذكت جوارحه بنار غرامه