الصفحة 4 من 29

وسبب هذا التوقف مني عند هذا الوصف: أن المسند عند المحدثين أكثر ما يُطْلَق على المرفوع المتّصل (حقيقةً أو ظاهرًا) ، وقد يطلقونه (بقلة) على غير المرفوع إذا كان مُتّصلًا. وتفسير ابن عباس هنا غير مرفوع، ومعنى ذلك أن الإمام أحمد قصد بـ (المسند) في وصفه لحديث أبي صالح عن ابن عباس: الاتصال، أي: إنه متصل!

هذا أوّل ما استوقفني، ودعاني لبحث هذه المسألة.

فلمّا رجعتُ إلى تفسير الطبري عند تفسير هذه الآية، وجدته أخرجه من وجهين عن شعبة بن الحجاج، عن منصور بن المعتمر، عن أبي صالح [قال في أحد الوجهين في التعريف به: الذي كان يحدث عنه الكلبي] ، عن ابن عباس، أنه قال في هذه الآية: « تنفق في سبيل الله، وإن لم يكن لك إلا مِشْقصٌ أو سهم » . (تفسير الطبري: 3/313-314) .

فاستوقفني فيها أنها من رواية شعبة، عن منصور، عن أبي صالح، عن ابن عباس. ومن المعلوم لدى المشتغلين بالسنّة: دلالةُ رواية شعبة بن الحجاج على سماع الرواة الذين روى عنهم بعضهم من بعض، لا في طبقة شيوخه وشيوخهم، بل في طبقة شيوخ شيوخه وشيوخهم أيضًا. إذْ لمّا روى شعبة، عن حصين، عن أبي مالك، قال: سمعت عمارًا؛ قال ابن أبي حاتم لأبيه: « فأبو مالك سمع من عمار شيئًا؟ قال: ما أدري ما أقول لك! قد روى شعبة، عن حصين، عن أبي مالك: سمعت عمارًا. ولو لم يعلم شعبة أنه سمع من عمار، ما كان شعبةُ يرويه .. » . (العلل: رقم 34) . ووجه الاحتجاج بقوله: « ما كان شعبة يرويه » ، إذ الظاهر أنه لولا صحّة السماع لما رواه شعبة، والمعنى: أن شعبة لا يروي إلا ما كان مُتّصلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت