فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 420

وما بين كل فينة وأخرى يتقدم طالب لحاجة أو مستفت فيعرض ما يريد على سماحته، وإذا قدم قادم إلى المجلس توجه إلى سماحته فسلم عليه فيرد سماحته السلام، ويلاطفه، ويسأله عن اسمه إن كان لا يعرفه، وإن كان يعرفه سأله عن أحواله وعن مشايخ بلده، وطلبة العلم فيه إن كان قادمًا من بلد آخر، ثم يلح عليه بتناول طعام الغداء، والعشاء، ويلح عليه بالمبيت عنده.

وهكذا الحال مع كل قادم ولو أدى ذلك إلى قطع المكالمة وطَلَبِ الانتظار ممن يهاتف، ولو أدى_أيضًا_إلى إيقاف القراءة من أحد الكاتبين.

وبعد ذلك يعاود الحديث مع من هاتفه، أو السماع لمن يقرأ عليه.

فإذا رأيت هذا المشهد من كثرة الناس وكثرة حاجاتهم وتنوعها، ورأيت حال الشيخ مع الهاتف، ومع من يقرؤون عليه من كُتَّابه، ورأيت كثرة القادمين والمسلِّمين أيقنت أن جموعهم لن تَنْفَض، وأن تلك الحاجات والمعاملات تحتاج إلى مدة أسبوع في الأقل؛ ليتم التخلص من بعضها، وما هي إلا مدة يسيرة، ثم تَنْفَضُّ تلك الجموع بنفوس راضية، وصدور منشرحة؛ حيث يأخذ كل واحد منهم نصيبه من سماحته؛ إما بتوجيه معين، وإما بوعد صادق طيب، وإما بإجابة لسؤال، وإما باستجابة لطلب.

كل الذي تبغي الرجال تصيبه

حتى تَبَغِّي أن ترى شرواه

سيان بادىءُ فِعْلِهِ وتليُّهُ

كالبحر أقصاه أخو أدناه (5)

كل ذلك وسماحته يستقبلهم بصدر رحب، وجبين وضَّاح، ونفس كريمة، لا ينهر أحدًا، ولا يكهره، مع ما يلقاه سماحته من كزازة، وسوء أدب، وكثرة إلحاح، ومقاطعة من بعض المراجعين، حتى إن الذي يحضر المجلس أول مرة ليعجب أشد العجب، ويظن أن سماحته يتكلف ما يقوم به، ولكن ذلك هو دأبه وأدبه؛ حتى لكأنه هو المعنيُّ بقول البحتري:

خُلُقٌ أتيت بفضله وسنائه

طبعًا فجاء كأنه مصنوع

وحديثُ مجدٍ منك أفرط حسنُه

حتى ظَنَنَّا أنه موضوع (6)

وبقوله:

سمحُ اليدين إذا احتبى في مجلس

كان الندى صفةً لذاك النادي

مُتَهَجِّدٌ يخفي الصلاة وقد أبى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت