اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى [1] .
واعلم أنّا نفرض مثالا واحدا ونحقق فيه معنى الخلق والهداية فنقول:
الإنسان مخلوق من قالب هو من عالم الخلق وقلب هو من عالم الأمر، وتركيب البدن الذي هو من عالم الخلق مقدم على إيجاد الروح الذي هو من عالم الأمر على ما قال تعالى: فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ [2] .
والتسوية إشارة إلى تركيب المزاج وتعديل الأمشاج، ونفخ الروح إشارة إلى اللطيفة الربانية النورانية، وتمام هذا التقدير سيجيء في تفسير قوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [3] وبالجملة فالخلق إشارة إلى تعديل البدن والهداية إشارة إلى إبداع القوى المدركة والمحركة [4] فيه، فثبت أن قوله:"خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ"كلمة حاوية لجميع المنافع في الدين والدنيا ثم فيه دقيقة وهو أنه قال:
"الَّذِي خَلَقَنِي"فذكره بلفظ الماضي، وقال:"فَهُوَ يَهْدِينِ"ذكره بلفظ المستقبل، والسبب فيه أن خلق الذات لا يتجدّد ساعة وساعة بل لمّا حصل بقي إلى الأمد [5] المعلوم وأما الهداية فهي أمر يتكرّر كل حين وآن سواء كانت الهداية في الدّين أو الدّنيا؛ فبيّن سبحانه وتعالى أنّه هو الذي خلقه في الماضي والمستقبل وأنه هو الذي يهديه في المستقبل في كلّ حين وآن إلى وجوه المصالح بضروب الهدايات.
الصفة الثانية: قوله: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ [6] . وقد دخل فيه
(1) الأعلى: (1) - (3) .
(2) الحجر: (29) ، ص: (72) .
(3) المؤمنون: (12) .
(4) المحركة في الأصل: الحركة.
(5) الأمد في الأصل: الأبد.
(6) الشعراء: (79) .