فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 106

فَلْيَعْتَنِ اللَّبِيبُ النَّاصِحُ لِنَفْسِهِ بِهَذَا الْمَوْضِعِ، وَلْيَتُبْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلِيَسْتَغْفِرْهُ كُلَّ وَقْتٍ مِنْ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ ظَنَّ السَّوْءِ، وَلْيَظُنَّ السَّوءَ بِنَفْسِهِ الَّتِي هِي مَأْوَى كُلَّ سُوءٍ، وَمَنْبَعُ كُلَّ شَرٍّ الْمُرَكَّبَةِ عَلَى الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ، فَهِيَ أَوْلَى بِظَنِّ السَّوءِ مِنْ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ وَأَعْدَلِ الْعَادِلِينَ وَأَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ، الْغَنِيِّ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ الْغِنَى التَّامُّ وَالْحَمْدُ التَّامُّ وَالْحِكْمَةُ التَّامُّةُ، الْمُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ سَوْءٍ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَسْمَائِهِ، فَذَاتُهُ لَهَا الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَصِفَاتُهُ كَذَلِكَ، وَأَفْعَالُهُ كَذَلِكَ، كُلُّهَا حِكْمَةٌ وَمَصْلَحَةٌ وَرَحْمَةٌ وَعَدْلٌ، وَأَسْمَاؤُهُ كُلُّهَا حُسْنَى.

فَلَا تَظُنَّنَّ بِرَبِّكَ ظَنَّ سَوْءٍ ... فَإِنَّ اللَّهَ أَوْلَى بِالْجَمِيلِ وَلَا تَظُنَّنَّ بِنَفْسِكَ قَطُّ خَيْرًا

وَكَيْفَ بِظَالِمٍ جَانٍ جَهُولِ ... وَقُلْ يَا نَفْسُ مَأْوَى كُلِّ سُوءٍ

أَيُرْجَى الْخَيْرُ مِنْ مَيْتٍ بَخِيلِ ... وَظُنَّ بِنَفْسِكَ السُّوأَى تَجِدْهَا

كَذَاكَ وَخَيْرُهَا كَالْمُسْتَحِيلِ ... وَمَا بِكَ مِنْ تُقًى فِيهَا وَخَيْرٍ

فَتِلْكَ مَوَاهِبُ الرَّبِّ الْجَلِيلِ ... وَلَيْسَ بِهَا وَلَا مِنْهَا وَلَكِنْ

مِنَ الرَّحْمَنِ فَاشْكُرْ لِلدَّلِيلِ

وَالْمَقْصُودِ مَا سَاقَنَا إِلَى هَذَا الْكَلَامِ مِنْ قَوْلِهِ: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران: 154] [آلِ عِمْرَانَ: 154] ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنِ الْكَلَامِ الَّذِي صَدَرَ عَنْ ظَنِّهِمُ الْبَاطِلِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: {هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} [آل عمران: 154] [آلِ عِمْرَانَ: 154] ، وَقَوْلُهُمْ: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} [آل عمران: 154] [آلِ عِمْرَانَ: 154] ، فَلَيْسَ مَقْصُودُهُمْ بِالْكَلِمَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ إثْبَاتَ الْقَدَرِ وَرَدَّ الْأَمْرِ كُلِّهِ إلَى اللَّهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَقْصُودَهُمْ بِالْكَلِمَةِ الْأُولَى لَمَا ذُمُّوا عَلَيْهِ، وَلَمَا حَسُنَ الرَّدُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: 154] . [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ] ، وَلَا كَانَ مَصْدَرُ هَذَا الْكَلَامِ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ، وَلِهَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: إنَّ ظَنَّهُمُ الْبَاطِلَ هَاهُنَا: هُوَ التَّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ وَظَنُّهُمْ أَنَّ الْأَمْرَ لَوْ كَانَ إلَيْهِمْ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابُهُ تَبَعًا لَهُمْ يَسْمَعُونَ مِنْهُمْ لَمَا أَصَابَهُمُ الْقَتْلُ، وَلَكَانَ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ لَهُمْ فَأَكْذَبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذَا الظَّنِّ الْبَاطِلِ الَّذِي هُوَ ظَنُّ الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت