فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 106

وَمَنْ ظَنَّ بِهِ أَنَّهُ يُسَلِّطُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - أَعْدَاءَهُ تَسْلِيطًا مُسْتَقِرًّا دَائِمًا فِي حَيَاتِهِ وَفِي مَمَاتِهِ، وَابْتَلَاهُ بِهِمْ لَا يُفَارِقُونَهُ، فَلَمَّا مَاتَ اسْتَبَدُّوا بِالْأَمْرِ دُونَ وَصِيَّةٍ وَظَلَمُوا أَهْلَ بَيْتِهِ، وَسَلَبُوهُمْ حَقَّهُمْ وَأَذَلُّوهُمْ، وَكَانَتِ الْعِزَّةُ وَالْغَلَبَةُ وَالْقَهْرُ لِأَعْدَائِهِ وَأَعْدَائِهِمْ دَائِمًا مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ وَلَا ذَنْبٍ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ الْحَقِّ، وَهُوَ يَرَى قَهْرَهُمْ لَهُمْ وَغَصْبَهُمْ إِيَّاهُمْ حَقَّهُمْ وَتَبْدِيلَهُمْ دِينَ نَبِيِّهِمْ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نُصْرَةِ أَوْلِيَائِهِ وَحِزْبِهِ وَجُنْدِهِ، وَلَا يَنْصُرُهُمْ وَلَا يُدِيلُهُمْ، بَلْ يُدِيلُ أَعْدَاءَهُمْ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، أَوْ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ بَلْ حَصَلَ هَذَا بِغَيْرِ قُدْرَتِهِ وَلَا مَشِيئَتِهِ، ثُمَّ جَعَلَ الْمُبَدِّلِينَ لِدِينِهِ مُضَاجِعِيهِ فِي حُفْرَتِهِ تُسَلِّمُ أُمَّتُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ كُلَّ وَقْتٍ كَمَا تَظُنُّهُ الرَّافِضَةُ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ أَقْبَحَ الظَّنِّ وَأَسْوَأَهُ، سَوَاءٌ قَالُوا: إنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْصُرَهُمْ وَيَجْعَلَ لَهُمُ الدَّوْلَةَ وَالظَّفَرَ، أَوْ أَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى ذَلِكَ فَهُمْ قَادِحُونَ فِي قُدْرَتِهِ أَوْ فِي حِكْمَتِهِ وَحَمْدِهِ، وَذَلِكَ مِنْ ظَنِّ السَّوْءِ بِهِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الرَّبَّ الَّذِي فَعَلَ هَذَا بَغِيضٌ إِلَى مَنْ ظَنَّ بِهِ ذَلِكَ غَيْرُ مَحْمُودٍ عِنْدَهُمْ، وَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَفْعَلَ خِلَافَ ذَلِكَ لَكِنْ رَفَوْا هَذَا الظَّنَّ الْفَاسِدَ بِخَرْقٍ أَعْظَمَ مِنْهُ، وَاسْتَجَارُوا مِنَ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ، فَقَالُوا: لَمْ يَكُنْ هَذَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَلَا لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى دَفْعِهِ وَنَصْرِ أَوْلِيَائِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَفْعَالِ عِبَادِهِ، وَلَا هِيَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ قُدْرَتِهِ، فَظَنُّوا بِهِ ظَنَّ إخْوَانِهِمُ الْمَجُوسِ وَالثَّنَوِيَّةِ بِرَبِّهِمْ، وَكُلِّ مُبْطِلٍ وَكَافِرٍ وَمُبْتَدِعٍ مَقْهُورٍ مُسْتَذَلٍّ، فَهُوَ يَظُنُّ بِرَبِّهِ هَذَا الظَّنَّ وَأَنَّهُ أَوْلَى بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ وَالْعُلُوِّ مِنْ خُصُومِهِ، فَأَكْثَرُ الْخَلْقِ بَلْ كُلُّهُمْ إلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ السَّوْءِ، فَإِنَّ غَالِبَ بَنِي آدَمَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مَبْخُوسُ الْحَقِّ نَاقِصُ الْحَظِّ، وَأَنّهُ يَسْتَحِقُّ فَوْقَ مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ وَلِسَانُ حَالِهِ يَقُولُ: ظَلَمَنِي رَبِّي وَمَنَعَنِي مَا أَسْتَحِقُّهُ، وَنَفْسُهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَهُوَ بِلِسَانِهِ يُنْكِرُهُ، وَلَا يَتَجَاسَرُ عَلَى التَّصْرِيحِ بِهِ، وَمَنْ فَتَّشَ نَفْسَهُ وَتَغَلْغَلَ فِي مَعْرِفَةِ دَفَائِنِهَا وَطَوَايَاهَا رَأَى ذَلِكَ فِيهَا كَامِنًا كُمُونَ النَّارِ فِي الزِّنَادِ، فَاقْدَحْ زِنَادَ مَنْ شِئْتَ يُنْبِئْكَ شَرَارُهُ عَمَّا فِي زِنَادِهِ، وَلَوْ فَتَّشْتَ مَنْ فَتَّشْتَهُ لَرَأَيْتَ عِنْدَهُ تَعَتُّبًا عَلَى الْقَدَرِ وَمَلَامَةً لَهُ وَاقْتِرَاحًا عَلَيْهِ خِلَافَ مَا جَرَى بِهِ، وَأَنّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَا وَكَذَا، فَمُسْتَقِلٌّ وَمُسْتَكْثِرٌ، وَفَتِّشْ نَفْسَكَ هَلْ أَنْتَ سَالِمٌ مِنْ ذَلِكَ.

فَإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عظيمَةٍ ... وَإِلَّا فَإِنِّي لَا إِخَالُكُ نَاجِيًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت