استلم الكلب زمام الأمور أي اصبح (فاعلا) أساسا في عملية الانجاز السردي، وجاعلا من الخروف مساعدا له، أو وسيلة اتصال بينه وبين الثعلب والذئب، يشترط ان لا يعرفا بوجوده. ذلك انه اختفى مؤقتا كي تتوفر له الفرصة المناسبة للانقضاض على (الثعلب والذئب) بعد ان يلزمهما الحجة بكيفية خاصة أنه اشتغل بنفس المنطق الذي اعتمده الثعلب في بداية المشروع السردي الأول. وهذا المنطق هو (الفعل الاقناعي) .
بعد ان اتفق الكلب والخروف على صيغة معينة لايقاع الثعلب والذئب، تلك الصيغة التي ستكون مفاجأة غير منتظرة بالنسبة للفاعلين الأخيرين، فالكلب اختفى بالتبن وطلب من الخروف ان يأتي بهما إليه لكي يحلفا به، فاذا ما تم ذلك وألزما الحجة لأنهما حلفا كذبا، أصبح المبرر للقضاء عليهما متحققا، كي ينقض عليهما الكلب ويفتك بهما.
اجتمع الجميع في الموضع الذي يمكن أن نسميه بموضع (الاختبار العملي الحاسم) حيث يكون الحسم هنالك، فكيف تمت عملية الحسم؟ وهذا ما ستتناوله المقطوعة السردية الرابعة.
في المقطوعة السردية الرابعة سوف يقرّ الذئب عبر شهادته أمام الخروف وعلى مسمع من الكلب المختفي تحت التبن، بأن هذه الأرض موضوع التنازع بين الخروف والثعلب تابعة لآباء الثعلب وأجداده، وإقراره هذا يصبّ في تعزيز موقف صاحبه واثباته، لكنه من جانب آخر يصب في فنائه واهلاكه، لأنه سوف يحقق رغبة الكلب. ولكن وضعا جديدا يطرأ في ساحة الأحداث هذا الوضع يتعلق بمعرفة الثعلب بأن ثمة خدعة تحاك ضدهما، والذي ساعد الثعلب على ادراك هذا الأمر هو رؤيته لكومة التبن التي لم تكن موجودة سابقا. ان وجودها بهذا الشكل مثير للاستغراب والمؤوّل من قبل الثعلب للخدعة والحيلة سوف يحدث تحويلا سرديا يتمثل بانسحاب الثعلب من موقع الأحداث، فالثعلب ها هنا استكمل مكيفاته السردية باستثناء القدرة على الفعل بسبب هذا الطارئ الجديد والمتمثل بظهور الكلب واختفائه تحت التبن.
ان معرفة الثعلب بالفعل سوف يوفر له فرصة النجاة من الهلاك، ولقد حاول الثعلب جاهدا قبل انسحابه ان ينقذ صاحبه الذئب أيضًا، ولكن هذا الأخير أصرّ على موقفه بسبب مكابرته وعناده وشعوره بالزهو في قوته. وابتداء من هذه اللحظة سوف يتوفر في الذئب (الشعور بوجوب الفعل) ذلك المكيف الذي كان مفتقرا إليه في البداية، ولكن المشكل الحاصل ان هذا الشعور غير متأتٍ من معرفة الذئب بالفعل، وانما متأتٍ من حمقه وغبائه واصراره على تحصيل موضوعه بالقوة مهما كانت العواقب:
(تعجب الذئب من هذا التحول المفاجئ من ابن عمه، ولما كان ضيق العقل فقد ظنّ ان هذا جزء من حيلة وأن عليه ان يتمسك بشهادته وأصرّ قائلا: بل هي أرضك وأنا اعرفها أحسن منك، لكوني أكبر منك سنًّا) .