وقد كانت الهجرة عظيمة شاقة صعبة على المسلمين الذين ولدوا في مكة ونشئوا بها.
ومع هذا هاجروا منها استجابة لأمر الله تعالى ولأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ولسان حالهم:
مرحبا بالخطب يبلوني إذا ... . كانت العلياء فيه السبب.
ثم مرضوا في المدينة، أصابتهم الحمى فأباحوا بأشعار وأقوال خلال المرض تدل على صعوبة ما لاقوه وعانوه على نفوسهم.
فها هي عائشة تأتي إلى أبيها رضي الله عنهما وقد أصيب بالحمى يرعد كما ترعد السعفة في مهب الريح، فتقول له كيف تجدك يا أبي؟
فيقول: كل امرؤ مصبح في أهله ... . ... .والموت أدنى من شراك نعله.
فتقول عائشة والله ما يدري أبي ما يقول.
وبلال رضي الله عنه محموم فيسائل نفسه، هل سيرى سوق مجنة ومجاز وجبال مكة كشامة وطفيل ونباتها كا الإذخر والجليل ثم يرفع عقيرته فيقول:
آلا ليت شعري هل أبيتنا ليلة ... .. ... بواد وحول إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة ... ... وهل يبدوا لي شامة وطفيل
ولما رءا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بأصحابه أمضه ذلك وآلمه إذ كان يعز عليه معاناتهم فدعا ربه (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد وبارك لنا في مدها وصاعها وأنقل حماها إلى مهيعة أو إلى الجحفة) . فكانت بعدها من أحب البلدان إلى أصحابه حالهم:
اختر لنفسك منزلا تعلو به ... .. ... .. أو مت كريما تحت ظل القسطل
وإذا نبا بك منزل فتحول.
أخيرا هذه مشاعر مسلم حول الهجرة هو أبو أحمد ابن جحش رضي الله عنه وأرضاه يصورها مع زوجته في أسلوب عظيم يبين فيه أنه يطلب ويرغب ما عند الله في هجرته ولو كان ذلك في شدة مشقة وتعب ونصب وكد، راجيا أن لا يخيبه الله كما يروى فيقول:
ولما رأتني أم أحمد غاديا ... . ... بذمة من أخشى بغيب وأرهب
تقول فإما كنت لا بد فاعل ... .. فيمم بنا البلدان ولُتنأ يثرب
فقلت بل يثرب اليوم وجهنا ... .. وما يشأ الرحمن فالعبد يركب
إلى الله وجهي يا عذولي ومن يقم ... .. إلى الله يوما وجهه لا يخيب
فكم قد تركنا من حميم وناصح ... ونائحة تبكي بدمع وتندب
ترى أن موتا نأينا عن بلادنا ... ونحن نرى أن الرغائب نطلب
في هذا ما يصور قساوة الخروج من أرضهم لكنه خروج في سبيل ربهم فماذا يضرهم والله مولاهم.
حنوا إلى أوطانهم واشتاقوا إلى خيام اللؤلؤ في جنة مولاهم فغلبوا الأعلى على الأدنى والأنفس على الأرخص والأسمى على الأخس:
شتان بين امرأ في نفسه حرم قدس ... وبين امرأ في قلبه صنم
خذني إلى بيتي، أرح خدي على ... عتباته وأقّبل مقبض بابه
خذني إلى وطن أموت مشردا ... إن لم اكحل ناضري بترابه
إنه الجنة والذي نفسي بيده لو كنت أقطع اليدين والرجلين مذ خلق الله الخلق تسحب على وجهك إلى يوم القيامة، ثم