19/ 6891 - (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) بضم العين مولى سَلَمَةَ بن الأكوع (عن سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ) رضي الله عنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ) وهي ولاية معروفة كما تقدم (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ) هو أُسَيد بن حُضَير _ بمهملة
ص 65
فمعجمة _ على صيغة التصغير فيهما، وأُسَيدٌ صحابي جليل أنصاري أشهلي، مات سنة عشرين أو إحدى وعشرين.
(أَسْمِعْنا) بكسر الميم (يَا عَامرُ) هو ابن سِنان عمِّ سَلَمَةَ بن الأكوع.
(مِن هُنَيهاتِكَ) بضم الهاء وفتح النون وسكون التحتية بعدها ألفٌ ففوقية فكافٌ، وأصله: القِطَعُ المتفرقة، والمراد أسمعنا من كلماتك أو من أراجيزك، ولابن عساكر وأبي ذر عن الكُشْمِيْهَني: بتحتية مشددة بدل الهاء الثانية تصغير هناتك، واحده هناة، وقد تقلب الياء هاء كما في الرواية الأُولى.
(فَحَدَا) عامرٌ (بِهِمْ) أي ساقَهم منشدًا للأراجيز يقول: (( اللهم لولا أنت ما اهتدينا ) )إلى آخر الأبيات التي ذكرها البخاري في أول غزوة خيبر، يقال: حدوت بالإبل أحدوها حدوًا حثَثتها على السير بالحُداء _ مثل غراب _ وهو الغِناء لها _ بكسر الغين المعجمة والمدِّ _.
(فَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنِ السَّائِقُ) بالهمز (قَالُوا) هُو (عَامِرٌ، قَالَ) صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (رَحِمَهُ اللهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَّا أَمْتَعْتَنَا بِهِ) بهمزة مفتوحة وسكون الميم، أي: بحياةِ عامرٍ قبل إسراع الموت
ص 66
له، لأنَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما قال مثل ذلك لأحد ولا استغفَر لإنسان قطُّ يخصُّه بالاستغفار عند القتال إلاَّ استشهدَ، وفي غزوة خيبر: (( قال رجل من القوم: وجبَتْ يا نبيَّ الله لولا امتعتَنا به ) )، ووقع في مسلم: (( أنَّ هذا الرجل هو عُمرُ بن الخطاب ) ) (فَأُصِيْبَ) عامُرٌ (صَبِيْحَةَ لَيْلَتِهِ) تلك.
وقد طَوى في هذا الحديث أنَّ ما أصابه حتى مات كان من قِبَل نفسِه وذلك أنَّ سيفَه كان قصيرًا فتناولَه ليضربَ به يهوديًا فضربه فرجع ذُبابُهُ فأصابَ ركبتَه، وقد بيَّنَ ذلك في الحديث الذي أورده في أول غزوة خبير، ولم يذكر في هذا الطريق كيفية قتله على عادته رحمه الله في ذكر الترجمة بالحكم، ويكون قد أوردَ ما يدل على ذلك صريحًا في مكان آخر، حرصًا على عدم التكرار بغير فائدة، وليبعث الطالب على تتبع طرق الحديث والاستكثار منها ليتمكن من الاستنباط.
(فَقَالَ القَوْمُ) ومنهم أُسَيد بن حُضَير، كما عند البخاري في الأدب (حَبِطَ عَمَلُهُ) بكسر الموحدة، أي بطل لأنَّه (قَتَلَ نَفْسَهُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ) قال سَلَمَة:(فَجِئتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ص 67
فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ)ولأبي ذر: (فَدَاكَ) بفتح الفاء (أَبِي وَأُمِّي) يحتمل أن يكون «فداك» مبتدأٌ خبره «أبي وأمي» ، ويحتمل أن يكون منصوبًا على المصدر بفتحة مقدرة على الألف المحذوفة.
قال في «التقريب» : فداه يفديه فدى بالكسر ويفتح أعطاه فداه، وفي «الصحاح» و «المخصص» : الفِداء إذا كسر يمد ويقصر وإذا فتح فهو مقصور. انتهى. وفديته بأبي وأمي وفديته بمالي كأني اشتريته وخلصته به إذا لم يكن أسيرًا، فإن كان أسيرًا مملوكًا قلت: فاديته، والمراد بالفداء هنا التعظيم، لأنَّ الإنسان لا يفدي إلا من يعظمه فيبذل له نفسه. انتهى.
(زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَقَالَ) صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَذَبَ مَنْ قَالَهَا) أي كلمةَ حبِط عملُه (إِنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ) أجر الجهد في الطاعة، وأجر الجهد في سبيل الله، واللام في «لأجرين» للتأكيد (اثْنَيْنِ) تأكيد لأجرين (إِنَّهُ لَجَاهِدٌ) مرتكب للمشقة في الخير (مُجَاهِدٌ) في سبيل الله عز وجل.
قال في «التقريب» : (إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ) أي جادٌّ مبالغ في سبيل الله، كالرواية الأخرى: (( مات جاهدًا مجاهدًا ) )، قال القاضي: وفيه وجه آخر أنَّه جمع بين اللفظين توكيدًا، قال ابن الأنباري:
ص 68
العرب إذا بالغت في تعظيم شيء اشتقت من لفظه لفظًا آخر على بنائه زيادةً في التوكيد وأعربوه بإعرابه، كما يقولون جادَّ مجدٌّ وليل لائل وشعر شاعرٌ. وللمستملي الأول فعل والثاني جمع منصوب، قال القاضي: والأول الصواب.
(وأيُّ قَتلٍ) بفتح القاف وسكون الفوقية (يَزِيدُهُ عَلَيْهِ) أي يزيد الأجر على أجره، ولأبي ذر عن الكُشْمِيْهَني: بكسر الفوقية وزيادة تحتية ساكنة، يزيد عليه بإسقاط الهاء مِن يزيده، وللأَصِيلي: .
وهذا الحديث حجة للجمهور أنَّ من قَتَل نفسَه لا يجب فيه شيء؛ إذ لم يُنقَل أنَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوجب في هذه القصَّة شيئًا، قال الكِرْماني: والظاهر أنَّ قوله _ أي في الترجمة «فلا دِيَّة له» _ لا وجه له، وموضعُه اللائق به الترجمة السَّابقة أي إذا مات في الزحام فلا دِية له على المزاحمين، لظهور أنَّ قاتل نفسه لا دية له، ولعله من تصرفات النقلة عن نسخة الأصل.
وأخرجه في المغازي والأدب والمظالم والذبائح والدعوات وأخرجه مسلم وابن ماجه.