فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 48

12/ 3041 - (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال (أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) مُصغَّرًا من غير إضافة (عَنْ) مولاه (سَلَمَةَ) بن الأكوع (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ: خَرَجْتُ مِنَ المَدِينَةِ) حالَ كوني

ص 47

(ذَاهِبًا نَحْوَ الغَابَةِ) بالغين المعجمة وبعد الألف موحَّدة، وهي على بَريدٍ من المدينة من طريق الشام، والبريد: أربعة فراسخ، والفرسخ: أربعة أميال، والميل: أربعة آلاف ذراع كما في «النهاية» .

(حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِثَنِيَّةِ الغَابَةِ) هي كالعقبة في الجبَل.

(لَقِيَنِي غُلاَمٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) القُرشي الزُّهري أحد العشرة، أسلم قديمًا ومناقبة شهيرة، مات سنة اثنتين وثلاثين، ولم يُسمِّ الغلام، ويحتمل أنَّه رَباح الذي كان يخدم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

(فَقُلْتُ لَهُ وَيْحَكَ) كلمة رحمة تقال لمن وقع في هَلكة لا يستحقُّها، وقد يقال بمعنى المدح والتعجب، وهي منصوبة على المصدر، وقالَ الخليل: هو في موضع رأفة واستملاح، كقولَك للصبي: ويحهُ ما أمْلحه! ولم أسمع على بنائه إلا ويبَ ووَيْه ووَيل ووَيْكَ وَويس.

قال المبرِّد: إن أضفت لم يكن إلا النصب لأنَّها مصَادر، وإن أفردتَ فأنتَ مُخيرٌ بين النصب والرفع، أمَّا النصب فعلى الدعاء وأمَّا الرفع فعَلى قولك: ثبت له ويح لأنَّه شيء مستقر، فويحٌ متبدأ وله الخبر.

(مَا بِكَ) «ما» استفهامية مبتدأ، و «بك» خبره، والمعنى: أي شيء كائن

ص 48

بك.

(قَالَ أُخِذَتْ) بضم الهمزة آخرهُ مثناة فوقية سَاكنة مبنيًا للمفعول، ولأبي ذرٍّ عن الحمُّوي والمُسْتَمْلي: بإسقاط الفوقية.

(لِقَاحُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بكسر اللام بعدها قاف وبعد الألف حاء مهملة مرفوع نائب عن الفاعل، واحدُها لقحة بكسر اللام وفتحها، وقيل واحدها لَقُوح بالفتح، وهي الحَلُوب، وكانت عشرين لَقْحة بالفتح أيضًا، وهي الناقة ذاتُ لَبن تُحلبُ وكانت اللِّقاح ترعى بالغابة.

(قُلْتُ: مَنْ أَخَذَهَا؟ قَالَ: غَطَفَانُ) بغين معجمة فطاء مهملة مفتوحتين.

(وَفَزَارَةُ) بفتح الفاء والزاي قبيلتان من العَرب، وكان فيهم عُيينة _ مصغرًا _ ابن حِصن الفَزَاريُّ.

(فَصَرَخْتُ ثَلاَثَ صَرَخَاتٍ) جمع صَرخة بالفتح والسكون وقد تقدر [1] أنَّ المجموع بالألف والتاء إذا كان اسمًا ثلاثيًا سَاكن العين غير مُعتلِّها ولا مُدغمها لزمَ فتح عَينه إذا كان اسمًا، نحو سَجدة وسجدات، وإذا كان صفة امتنعَ، نحو: ضخمة وضَخْمات بالسُكون فيهما.

(أَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) أي لابتي المدينة، واللَّابةُ بموحدة وألف لَيِّنة غيرِ مهموزة على وزنِ ساْعَةٍ، وهي الحَرَّة بفتح الحَاء

ص 49

وتشديد الراء المهملتين، قال ابن الأثير وغيره: وهيَ الأرض ذات الحجارة السُّود التي ألبستها لكثرتها، وجمعها لاباتٌ على وزن سَاعات، فإذا كثرت فهي اللَّابُ واللُّوب، مثل: قَارة وقار وقور، وألفها منقلبة عن واو. انتهى.

(يَا صَباحَاهُ يَا صَباحَاهُ) مرتين بفتح الصاد المهملة والموحدة وبعد الألف حاءٌ مهملة فألف فهاء مَضمُومة، وفي الفرع سكونها وكذا في أصله، منادى مستغاث والألف للاستغاثة والهاء للسكت، وكأنَّه نادى الناس استغَاثة بهم في وقت الصباح، وقالَ ابن المُنَيِّر: الهاء للنُّدبة وربما سقطت في الوصل وقد ثبتت في الرواية فيوقف عليها بالسكون، وقال القرطبي: هاؤه ساكنة وهو يُشبه المنادَى المندوب وليس به، ومعناه الإعلام بهذا الأمر المهم الذي دهمهم في الصباح، وهي كلمة يقولها المستغيث.

(ثُمَّ انْدَفَعْتُ) بسكون العين أسرعتُ في السير وكان ماشيًا على رجلَيه.

(حَتَّى أَلْقَاهُمْ) أي حتى لقيتُهم، ففيه التعبير عن الماضي بالمضارع.

(وَقَدْ أَخَذُوهَا فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ) بالنَّبل.

(وأَقُولُ) مُرْتَجزًا:

(أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ ... وَاليَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعْ) بضم

ص 50

الراء وتشديد الضاد المعجمة بعدها عين مهملة، والرفع فيهما يعني «اليَوْمُ» و «يَوْمٌ» مبتدأٌ وخبرٌ، ولأبي ذَرٍّ نصب المعَرَّف، قال البِرْماوي: على أنَّه ظرف خَبر عما بعده، لأنَّ اسم الزمان يخبر به عن مثله إذا كان متسعًا، كما حكاه سيبويه؛ أي يوم هلاك اللئام من قولهم: لئيم رَاضعٌ، وهو الذي رضع اللؤم من ثَدْي أُمِّه، وكل مَن نُسِبَ إلى لُؤْم فإنَّه يُوصف بالمصِّ والرضاع، وفي المَثَل: أَلْأَم من رَاضع، وأصله أنَّ رجلًا من العَمالقة طرَقه ضيفٌ لَيلًا فمصَّ ضرع شاْتِهِ لئَلَّا يسمع الضيف صوتَ الحلب، فكَثُرَ حتى صار كل لئيم راضعًا سواء فعل ذلك أو لم يفعله، وقيل: المعنى اليوم يُعرف من رَضعَ كريمةً فأنْجبَتْه أو لئيمةً فهجنتْهُ، أو اليوم يُعرف من أرضعته الحرب من صِغَرِه وتدَرَّب بها مِن غيره.

(فَاسْتَنْقَذْتُهَا) بالقاف والذال المعجمة (مِنْهُم) أي استخلصتُ اللِّقاح من غَطَفان وفَزَارة (قَبْلَ أَنْ يَشْرَبُوا) أي الماء (فَأَقْبَلْتُ بِهَا) حال كوني (أَسُوقُهَا فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وكان قد خَرج عليه السلام إليهم غداةَ الأربعاء في الحديد مُقَنَّعًا في خمسمائة _ وقيل سبعمائة _

ص 51

بعدَ أنْ جاء الصَّريخُ ونُودِيَ يا خيلَ اللهِ اركبي، وعقد للمقدادِ بن عَمرٍو لوَاءً وَقالَ له: (( امضِ حتى تلحقَك الخيول وَأنا على إِثْرك ) ).

قال الرَّاغبُ: الخيل في الأصل اسم للأفراس والفرسان، ويستعمل في كل منهما مفردًا، نحو ما روي: (( يا خيل اللهِ اركبي ) )، فهذا للفرسان، و (( عفوتُ لكم عن صدقة الخيل ) )يعني الأفراس. انتهى.

ولا واحدَ لهما من لفظه، وفي «المرقاة» و «شرح ابن رسلان» عن صاحب «الغَرِيْبَينِ» : إنَّ قوله: (( يا خيل الله اركبي ) )من مختصر الكلام، أراد يا فرسَان خيل الله فحذف اختصارًا أو اقتصارًا اعتمادًا على عِلْم المخاطَب، كما قال: لا يَفضُضِ الله فاَكَ، وإنَّما أراد أسنانكَ التي في فمك، فأقام الفم مقام الأسنان. انتهى. وعلى هذا فإنما قال: (( اركبي ) )مراعاة للفظ الخيل فإنَّها مؤنثة.

(فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ القَوْمَ) يعني غَطَفانَ وفزارةَ (عِطاشٌ) بكسر العين المهمَلة (وَإِنِّي أَعْجَلْتُهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا) مفعول لأجله، أي: لكراهة شربهم (سِقْيَهُم) بكسر السين وسكون القاف، أي: حَظُّهم من الشرب (فَابَعَثْ في إِثْرِهِم) بكسر الهمزة وسكون المثلثة، وعند ابن سعد: (( قال

ص 52

سَلَمَةَ: فلو بعثتني في مائة رجل استنقذتُ ما بأيديهم مِن السَّرْح وأخذت بأعناق القوم والسَّرْح )) _ بمهملات _ المالُ السَّائم.

(فَقَالَ) عليه السلام (يَا ابْنَ الأَكْوَعِ: مَلَكْتَ) أي قدرتَ عليهم فاستعبَدتَهم وهم في الأصل أحرارٌ (فأَسِجِحْ) بهمزة قطع مفتوحة وسين مهملة ساكنة وبعد الجيم المكسورة حاءٌ مهملة من الرباعي، أي: يَسِّر إنَّكَ قدرتَ فسَهِّلْ، أي: فارفقْ وأحسِن العفوَ ولا تأُخُذْ بالشدَّة.

(إنَّ القَوْمَ) غَطَفَان وفَزَارة (يُقْرَوْنَ) بضم الياء التحتية وسكون القاف والواو بينهما راء مفتوحة آخره نون أي يُضَافون (فِي قَوْمِهِمْ) يعني إنَّهم وصَلوا إلى غَطَفَان وهم يضيفونهم ويُساعدونهم فلا فائدة في البعث في إثرهم لأنَّهم لحقوا بأَصحَابِهم، وزاد ابن سعد: (( فجاء رجل من غَطَفَان فقالَ: مرُّوا على فلانٍ الغطفاني فنحرَ لهم جَزُورًا فلما أخذوا يكشطون جلدَها رأوا غبرة فتركوها وخرجوا هرابًا ) )الحديث.

وفيه معجزة حيث إنَّه أخبر بذلك فكان كما قاله، وفي بعض الأصُول من البخاري: بفتح أوله وضم الراء أي: ارفق بهم، فإنهم يضيفُون الأضيافَ، فراعَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ص 53

ذلك لهم رَجاء توبتهم وإِنَابتهم، قال في «المصباح» : قريت الضيفَ أقريه من باب رمي قِرى بالكسر والقصر والاسم القراء مثل سلام، ولأبي ذرٍّ عن الحموي والمُسْتَمْلي: بفتح أوله وكسر القاف وتشديد الراء، أي إنَّهم سيلقون أول بلادهم فيطعمون ويسقون قبل أن تبلغ فيهم ما تريد، ولأبي ذر: .

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المغازي، وكذا مُسْلم.

[1] كذا في الأصل ولعل الصواب: تقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت