وقبل إقامة البرهان على أنه لا ينفرد بذلك ، لا بد من معرفة معنى العبادة ، فالعبادة هى الخضوع التام المقترن بالإرادة والمحبة وتعظيم المحبوب ، فإن كان الخضوع والطاعة عن إكراه فلا تسمى عبادة .
وإذا كان السجود للمعبود يجعل المرء على أعلى درجات الحب والقرب من ربه ، كما ثبت في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه أَنَّ رَسولَ اللَّه قَالَ: ( أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ منْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ ) (أخرجه مسلم في كتاب الصلاة برقم(482) . ) فإن ذلك كائن في بقية المخلوقات ، إذ عبر الله عن كمال طاعتها ، وامتثالها لتوجيه خالقها ، وانضباطها على قوانينها بلفظ السجود ، وإن كنا لانعلم كيفية حدوث السجود منها .
بل إن المقارنة بين الإنسان وغيره من المخلوقات في العبادة تُظهر تفوق المخلوقات عليه في هذه الصفة ، فقال تعالى: { أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ منْ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء } [الحج/18] .
فاللَّه عبر عن سجودهن جميعا بالعموم ، فكلهن ساجدات بلا استثناء ولا تتخلف واحدة منهن عن السجود ، ولما عبر عن سجود الإنسان عبر بالخصوص فالبعض يسجد لله ، والبعض لا يسجد مطلقا:
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا ، تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا } [الفرقان/62:60] .