عقيدة واردة عليهم، بل يدعوهم لمناقشة من يخالفهم، فضلًا عن التحذير منهم ومن كتبهم، ويعلمون أبناءهم حقَّ الرد والجرأة في الدعوة لملَّتهم ونحلتهم؛ لرأينا من ذلك شيئًا عجبًا، فأين أهل السنَّة من دعوة أبنائهم بمثل ذلك؟
وأين هم من ترسيخ العقيدة الصافية في عقول أبنائهم وتعليمهم كيف يثبتون عليها ويناضلون عنها؟
إنَّ من المهمات التي يجدر التنبيه عليها، ما للوالدين من كبير الأثر على تنشئة الولد تنشئة إسلاميَّة خالصة من كدر الشبهات والشهوات قدر المستطاع، وتعميق الإسلام وأسسه العقدية في أنفسهم، ووصيَّتهم بالثبات عليه، وممَّا يستدلُّ به لذلك ما قاله تعالى عن الأنبياء والمرسلين حين كانوا يوصون أبناءهم بالثبات على الإسلام، ومن ذلك: (ووصَّى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنيَّ إنَّ الله اصطفى لكم الدين فلا تموتنَّ إلاَّ وأنتم مسلمون) (البقرة/132) وكل مولود يولد على فطرة الإسلام، فإن كان الوالدان مسلمين حصَّنوه بترسيخ الإسلام، وإن كانا كافرين فإنَّه لابدَّ أن يكون لهما دور كبير في تحريف فطرة ذلك المولود، وقد أخبرنا ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بذلك فقال: (كلُّ مولود يولد على الفطرة، وإنَّما أبواه يهوِّدانه أو يمجِّسانه، أو ينصرانه) أخرجه البخاري ومسلم.
ومن جميل الكلام حول طريقة ترسيخ الوجود العقدي في النشء؛ ما قاله الإمام الغزالي: (وليس الطريق في تقويته وإثباته أن يعلم صنعة الجدل والكلام، بل يشتغل بتلاوة القرآن وتفسيره، وقراءة الحديث ومعانيه، ويشتغل بوظائف العبادات، فلا يزال اعتقاده يزداد رسوخًا بما يقرع سمعه من أدلَّة القرآن وحججه، وبما يَرِدُ عليه من شواهد الأحاديث وفوائدها، وبما يسطع عليه من أنوار العبادات ووظائفها) (إحياء علوم الدين1/ 94ـ95) [1]
وختامًا: ممَّا يحسن التنبيه إليه: أنَّ المستمسك بهذا المنهج يجب أن يكون قويًا في طرحه لدى الناس بتعامل لطيف، مبينًا له بلا عنف، عارفًا للحق، راحمًا للخلق، يريد لهم الهداية، بلا جباية أو وصاية، فالحق أبلج، والباطل لجج، وماذا بعد الحقِّ إلَّا الضلال!
نسأله تعالى أن يمنَّ علينا بهدايته، وأن يثبتنا على دينه، وأن يحفظنا من مضلاَّت الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدًا، وعياذًا بالله أن نكون ممَّن قال فيهم ربُّهم: (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهِّر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم) المائدة (41) والله المستعان ...
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
(1) كتاب (إحياء علوم الدين) للإمام الغزالي ـ رحمه الله ـ مع ما فيه من خير كثير، إلاَّ أنَّه يحوي انحرافات عقدية وسلوكية، ولذا اهتمَّ كثير من العلماء بتهذيبه للاستفادة من الخير الكامن فيه، مع حذف انحرافاته، ومن أحسنها (مختصر منهاج القاصدين) للإمام ابن قدامة المقدسي، و (موعظة المؤمنين) للشيخ جمال الدين القاسمي ـ رحمهم الله جميعًا، وصدر كتاب للشيخ عبدالرحمن دمشقية يناقش فيه بعض الأخطاء التي وقع بها الغزالي في إحياء علوم الدين ـ فلينتبه لذلك ـ