بالالتزام ، واحترام حقوق الآخرين ، وعدم المضارة بهم . فمن خرج عن هذا الالتزام ، وسعى للإضرار بنفسه وبغيره ، كان ردعه واجبًا عقلًا وشرعًا ، ولا ردع إلا بقسوة وإيلام . واسم العقوبة مشتق من العقاب ، ولا يكون العقاب عقابًا إذا كان موسومًا بالرخاوة والضعف . فعنصر القسوة - إذًا - يمثل الركن الأساسي لمعنى العقوبة ، فلو فُقدت القسوة فُقدت معها العقوبة بدون شك . ولكن ما هي الدرجة التي يجب أن تقف عندها قسوة العقوبة على جريمة ما ؟ إن الذي يحدد هذه الدرجة هو تصور مدى خطورة الجريمة التي استلزمتها ؛ أي أن القسوة يجب أن تكون ملائمة للجريمة ، فتزيد بزيادة خطورتها وشدة آثارها ، وتنقص بنقص ذلك . وهذه الحقيقة محل وفاق عند جميع المشتغلين بالتشريع والتقنين ، مهما اختلفوا في تحليل فلسفة العقاب . وإن اختلاف القوانين العقابية الوضعية أكبر شاهد على ذلك . فإذا كان في الناس من يصف العقوبات الشرعية بقسوة زائدة على مقتضى هذه القاعدة التي لا خلاف فيها ؛ فسبب ذلك أنهم يخطئون في تقويم خطورة الجرائم التي رتبت عليها هذه العقوبات ، دون أن يعتبروا في ذلك نظرة المشرِّع لها ، وتقويمه لخطورتها . والعجيب أن خصوم الشريعة الإسلامية يدركون هذه الحقيقة ، ويفقهون هذا المعنى ، عندما يكون البحث متعلقًا بقانون من القوانين الوضعية . فرُبَّ كلمة لا نرى بها بأسًا ، يتفوه بها فرد من رعايا دولة تطبق قانونًا وضعيًا ؛ تواجهه بسببها عقوبة الإعدام . ورُبَّ فاحشة عظمى يجب مكافحتها ، تشيع بين رعايا تلك الدولة ؛ فلا يؤبه بها ، ولا يلتفت إليها بأي نقد أو استنكار !! وليس أيسر على خصوم الشريعة الإسلامية من أن يدافعوا عن كلا المذهبين ؛ بأن كل أمة إنما تسن قوانينها حسب مبادئها وفلسفتها التي تنظر بها إلى الإنسان والكون والحياة . أفيحق لكل أمة أن تسن ما تشاء من قوانين الردع والزجر ، حسب نظرتها إلى الكون والإنسان والحياة - خطأً كانت النظرة أم صوابًا - ، ثم لا يحق لخالق الكون والإنسان والحياة أن يشرع هو الآخر قوانين الردع والزجر بما يتفق مع مقاصد شريعته ، ويتسق مع نظام كونه ، ويحقق مصالح عباده ؟!! [10] والحكمة في تغليظ العقوبات الشرعية التي توصف بالوحشية والهمجية ، من قتل القاتل ، ورجم الزاني ، وقطع السارق ، وغيرها من العقوبات المقدرة ؛ ظاهرة جلية ، فإن هذه الجرائم هي أمهات المفاسد ، وكل واحدة منها تتضمن اعتداء على واحدة أو أكثر من