الصفحة 46 من 66

الأعراب البسطاء ذوي الإمكانات المحدودة ؛ فإنه لا يصلح لمجرمي العصر ، حيث الإجرام المنظم ، وتوظيف التقنية الحديثة لخدمة محترفي الإجرام ، والساعين في الأرض بالفساد والظلم . وإنْ كان المقياس هو التقدم العلمي والتقني ، والتطور الصناعي والمدني ؛ فإن الذي سنّ هذه العقوبات الشرعية هو الذي منح البشرية ما وصلت إليه من العلم والتقدم ، فلا يمكن أن تكون هذه العقول المخلوقة أعلم ممن خلقها ، وأكثر منه إدراكًا لمصالح البشرية وأسباب سعادتها وأمنها !! قال الله تعالى: [ وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا ] ( الإسراء: 85 ) ، وقال تعالى: [ قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه ] ( البقرة: 140 ) . وإنْ كان المقياس ضَعْفَ النفوس ورخاوتها ، والرغبة في إطلاق العنان لها للتمادي في الظلم والإجرام ، من غير رادع ولا زاجر ؛ فليس هذا بمقياس . 5 - أن تحقيق هذه العقوبات الشرعية للأمن ، وحمايتها لمصالح الناس ، ومكافحتها للجرائم ، على مدى القرون الماضية التي طبقت فيها ، مع اختلاف البيئات والثقافات والأجناس ؛ دليل على أنها تشريع من حكيم خبير ، وأنه لا يمكن أن يقوم غيرها مقامها ، ولا أن يحقق الثمرة التي تتحقق من خلالها . * الشبهة الثانية: أن العقوبات الشرعية تتسم بالقسوة والهمجية التي تبعث على الاشمئزاز: ولا تتناسب وروح هذا العصر ، وإنسانيته ، وحمايته لحقوق الإنسان وكرامته [7] . - دحض هذه الشبهة: وهذه شبهة داحضة من وجوه: أولًا: أن العقوبة ليست مكافأة على عمل مبرور ، وإنما هي جزاء مقرر على ارتكاب جريمة ، يقصد به الإيلام والردع: وإذا لم تكن العقوبة مؤلمة ؛ فليس لتطبيقها أي أثر في الزجر والردع . حتى تأديب الرجل ولده ؛ لا بد أن يكون فيه شيء من الإيلام والقسوة ، ليتأتى تأديبه وإصلاحه [8] . وقديمًا قال الشاعر الحكيم [9] : فقسا ليزدجروا ، ومَنْ يَكُ حازمًا فليَقْسُ أحيانًا على مَنْ يرحمُ ولا شك أن الإنسان يتمنى ألا توجد في المجتمع جريمة أبدًا ، حتى لا توجد عقوبات أصلًا ؛ بحيث يفهم كل فرد ما له فيقتصر عليه ، وما عليه فيؤديه عن طواعية واختيار . ولكن هذا حلم لا يمكن أن يتحقق ، ورغبة خيالية تصطدم بالواقع المعاش . فهناك نفوس جاهلة حمقاء لا تلتزم بما لها وما عليها ، ونفوس شريرة ظالمة قد تأصّل فيها الإجرام والإفساد ، وسعت للإضرار بالآخرين وبخسهم حقوقهم . والحياة لا يمكن أن تستقيم وتنتظم إلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت