فهي إنما شرعت رحمة من الله تعالى بعباده فهي صادرة عن رحمة الخلق وإرادة الإحسان إليهم ولذا يجب على من يؤدب المذنبين أن يقصد بذلك الإحسان إليهم والرحمة لهَم كما يقصد الوالد تأديب ولده وكما يقصد الطبيب معالجة المريض.
هذا وقد نشأت مذاهب مختلفة في العقوبة تعددت اتجاهاتها في الغرض منها.
فمذهب يقول: إن العقوبة يجب أن تكون انتقامية فلابد أن ينال الجاني جزاء ما اقترفت يداه حتى يشعر بأن النتائج الشريرة لجرائمه وبال عليه هو.
ومذهب يقول: يجب أن تكون العقوبة رادعة فالغاية منها ردع الجاني وزجره عن العودة للجناية.
ومذهب يقول: يجب أن تكون العقوبة واعظة للغير فالغاية منها زجر الناس عن ارتكاب جرائم تشبه جريمة الذي يعاقب المجرم من أجلها فهي تعظ قوما ليسوا مجرمين لكيلا يصبحوا يومًا مجرمين.
ومذهب يقول: يجب أن تكون العقوبة مصلحة فمعاقبة الجاني الغاية منه أولًا وآخرًا هو إصلاح الجاني لا الانتقام منه واكتفاء شره ولا عظة غيره2.
وبالنظر إلى هذه المذاهب نجد كل واحد منها نظر إلى العقوبة والغرض منها من زاوية واحدة ولو نظر إليها من جميع الجهات فقد يجد الأغراض الأخرى يمكن أن تأتي تبعًا للغرض الذي يراه هو المقصود، وكما تقدم أن العقوبات في الشريعة الإِسلامية هي في الدرجة الأولى استصلاحية بيد أن هذا لا يمنع أن تردع العقوبة وأن تزجر في نفسِ الوقت كما لا يمنع أن تكون قصاصًا من الجاني فيه معنى الانتقام فتتحقق الأغراض جميعًا، وكل ما تقدم لا يمنع أن يكون هناك مسائل استثنائية مثل
قتل المرتد وقتل القاتل قصاصًا إذ لا يتأتى إصلاح
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الأحكام السلطانية للماوردي ص 236.
2انظر فلسفة العقوبة لمحمد مهدي علام ص 36
الشخص بعد إزهاق روحه ومثل هذا روعي فيه مصالح أخرى تتعلق بنظام المجتمع وأمنه يجب أن تراعى قبل مراعاة مصلحة الجاني.
ومما يؤيد القول بأن العقوبات في الشريعة الإسلامية استصلاحية نظرية العفو في الشريعة الإسلامية في مجال التعازير والقصاص والديات... فلولي الأمر أن يعفو عن تعزير من استحقَ التعزير إذا رأى أن المصلحة في ذلك مثلما إذا تاب المذنب وندم على ذنبه واستقام وهكذا.
أما الحدود فلا مجال للعفو فيها إذا وصلت إلى الحاكم إنما شرع التستر على المسلم ومنع التجسس عليه، والحدود تدرأ بالشبهات وكل ذلك يؤيد أن الاستصلاح مراعى فيها بالدرجة الأولى.